22 mars 2006
الأميرات الثلاثة بنات الملك الحسن الثاني
صفة الأمير و الأميرة بالمغرب
إن صفة الأمير و الأميرة ممنوح حاليا بالمغرب لولي العهد الأمير مولي الحسن و زوجة الملك محمد السادس الأميرة لالة سلمى و شقيق
جلالته الأمير مولاي رشيد و شقيقات جلالته الأميرة لالة مريم و الأميرة لالة أسماء و الأميرة لالة حسناء و عمات الملك شقيقات الملك الراحل الحسن الثاني الأميرة لالة مليكة و الأميرة لالة عائشة و الأميرة لالة أمينة و لأرملة الأمير الراحل مولاي عبد الله الأميرة لمياء الصلح و أبنائها الأمير مولاي هشام و الأمير مولاي اسماعيل و الأميرة لالة زينب.
و صفة صفة أميرة ممنوحة لحفيدة واحدة ، من بين أبناء و بتات شقيقات الملك محمد السادس، إنها الأميرة لالة سكينة بنت الأميرة لالة مريم. و كان هذا قرار اتخذه الملك الراحل الحسن الثاني.
و بالنسبة للذكور يكون إسمهم مسبوقا بمولاي سواء كانوا أمراء أو لم يكونوا، أما بالنسبةللإناث يكون إسمهن مسبوقا بلالة سواء كن أميرات أم لا . و هذا ما جرت عليه العادة بالمغرب على امتداد قرون خلت. المغاربة و الأميرات
لقد ظلت حياة و شؤون الأميرات بالمغرب تستقطب أنظار المواطنين البسطاء.
و لازال المغاربة يتطلعون إلى معرفة الشاردة و الواردة عن الأميرات. لقد كانت ، ولازالت لذا المغاربة رغبة دائمة و مستمرة و حنين خاص لمتابعة أخبار العائلة الملكية.
و مع شحة المعلومات في هذا الصدد، و اعتبارا لشدة حبّ الاستطلاع المعروف عن المغاربة كان دائما الاهتمام بالغا بكل ما يشاع أو يُزعم. و يكاد المغاربة لا يعرفون إلا القليل عن الحياة الخاصة للأميرات و طريقة عيشتهن وميولاتهن وهواياتهن. و لعل هذه الرغبة الجامحة في الاطلاع على كل ما يجري و يدور بالقصر الملكي منذ أن كان من المحرم الحديث عن كل ما له صلة بها، هي التي تفسر الموجة الكبيرة لاهتمام الصحافة المستقلة بأخبار المؤسسة الملكية. و ذلك باعتبارها تحظى باهتمام واسع من طرف فئات الشعب قاطبة لما تشكله المؤسسة الملكية في موقع القرار السياسي على امتداد تاريخ البلاد. و مهما يكن من أمر ، فإن هذه الظاهرة قل نظيرها على امتداد العالم العربي.
و فعلا ظل المغاربة يتطلعون إلى معرفة تفاصيل عن حياة الأميرات. و ظل هذا التطلع يكبر مع سيادة إحكام الطوق على كل ما يرتبط بالقصر و العائلة الملكية. لا سيما و أن القائمين على الأمور عندنا ظلوا يتعاملون مع هذا الموضوع بطريقة مخالفة تماما على ما هو سائد في مختلف دول العالم، خصوصا في البلدان التي تعتمد الملكي. حيث أن المواطنين هناك يعرفون الشادة و الفادة عن أمرائهم، بل هناك وسائل إعلام تخصصت في هذا المجال دون غيره. و هناك بعض الأنظمة تجاوبت مع رغبة المواطنين و نظمت قنوات خاصة للتواصل مع وسائل الاعلام لتمكينها من الأخبار و تثبيت كل ما ترغب في نشره.
أما عندنا فعالم الأمراء و الأميرات مازال محاطا بجدار سميك من السرية مما يساهم أحيانا كثيرة في سريان الإشاعات و التصورات التي لا تمت بصلة بالواقع، و هذا طبيعي بفعل دافع المواطن العادي التوصل إلى أكبر حجم من المعلومات بخصوص أناس يعتبرهم من خيرة قوم البلد و من أهمهم. و مع عهد الملك محمد السادس تصدع ذلك الجدار السميك، و فًتحت عبره نافذة جعلت المغاربة يتعرفون على جملة من المعلومات كانوا بالأمس القريب يحيكون بصددها حكايات و تصورات خيالية أحيانا كثيرة. و عموما يظل ظهور الأميرات مستحب لذى المغاربة لا سيما النساء لأنهن يستحسن كثيرا معاينة طريقة لبسهن و زينتهن و حليهن و جواهرهن و حفائبهن و أحديتهن... فكل ما ظهرت أميرة في وسائل الإعلام أو مباشرة في مناسبة من المناسبات يقمن النساء بكشف تمحيصي كلما توفرت لهم الفرصة لمعاينة إحدى الأميرات.
حياة الأميرات
كيف تعيش الأميرات؟ و كيف يقضين يومهن؟ و كيف يتصرفن في حياتهن العادية؟
إنها أسئلة ظلت تشغل بال المواطن و المواطنة البسيطين. و قد يكون الجواب أن حياة سموهن لا تختلف كثيرا عن حياة الأسر الميسورة بالمغرب لكن مع احترام جملة من المقتضيات المفروضة بروتوكوليا. إلا أن جوابا من هذا القبيل لا يشفي غليل فضول المواطنين باعتبار أنهم يتصورون أن الأميرات ليس كباقي نساء المملكة.
طبعا سيكون من غير المتصور أن يعاين المرء أميرة من الأميرات تتجول بأسواق المدينة أو تظهر في أماكن يتوجه إليها كل الناس، علما أنه من العادي جدا مصادفتهن أحيانا كثيرة على سيارتهن بأحد شوارع العاصمة.
و في هذا الصدد يقر الكثيرون من المقربين من القصر الملكي أن الأميرة لالة أسماء كانت ترافق أبناءها إلى المدرسة كما تفعل أي أم مغربية. و عموما يمكن القول، دون مجانبة الصواب، أن الأميرات بالمغرب يعشن حياة قريبة من حياة العائلات المغربية الميسورة لكن بهامش أقل بخصوص حرية التصرف و التحركة بفعل قواعد البروتوكول المفروض على سموهن احترامها بدقة. لكن و رغم هذا من الممكن أن نصادف إحدى الأميرات في محلات عمومية أو شبه عمومية. و في هذا الصدد صادفت إحدى المغربيات يوما الأميرة لالة حسناء بإحدى محلات الحلاقة الراقية بمدينة باريس و قلت أنها تبادلت مع سموها أطراف الحديث و قد رأتها متواضعة غاية التواضع إلى حد لا يحسبها المرء أنها أميرة.
كما أن عمال فندق سفير بمدينة القنيطرة أكدوا أن إحدى الأميرات تناولت عصيرا بمقصف الفندق بشكل عادي ة متواضع جدا لدرجة أنهم استغربوا للأمر.
لكن القاعدة تظل هي أن الأميرات يخضعن لجملة من القواعد البروتوكولية تفرض عليهن أن يكن محاطات بالحراسة و أن لا يظهرن في أي مكان. كما أن إقامتهن ببير قاسم الخاضعة للحراسة اللازمة تجعل حياتهن الخاصة تبدو و كأنها مطبوعة بشيء من السرية أو الانزواء.
و مع ذلك تظل حفلات زفاف سموهن مناسبات سمحت باقتحام حياتهن الخاصة من طرف المغاربة لمشاركتهن في فرحة العمر. و هذا ما تم فعلا سنة 1986 بفاس في حفل قران الأميرة لالة مريم مع فؤاد الفيلالي، و بمراكش سنة 1987 بمناسبة حفلات زفاف الأميرة لالة أسماء بخالد بوشنتوف، و بالرباط سنة 1991 في حفلات زفاف الأميرة لالة حسناء بالدكتور خالد بنحربيط. و كانت كلها مناسبات شاركت فيها مختلف فئات الشعب المغربي القصر الملكي فرحته.
و خلافا لما كان المغربة يعتقدونه عادة أو قاعدة فكل أزواج الأميرات الثلاثة لا ينحدرون من العائلة الملكية و إنما من عائلات مغربية مرموقة لها مكانتها في المجتمع.
الأميرة لالة مريم الأميرة الأكثر ظهورا
الأميرة لالة مريم أول بكرة أبناء و بنات الملك الحسن الثاني، إنها أول طفلة رًزق بها جلالته يوم 26 غشت 1962 ، و كان مسط رأسها
بروما بالديار الإيطالية لما كانت العائلة الملكية تقضي العطلة الصيفية هناك.
تابعت سموها دراستها بالمدرسة المولوية و المعهد الملكي بالقصر الملكي و جامعة محمد الخامس بالرباط. حصلت على شهادة الباكالوريا في يونيو 1981، و بعد نهاية دراستها سافرت إلى باريس للخضوع لتدريب طويل بمقر اليونسكو هناك.
و منذ حصولها على الباكالوريا عينها جلالة الملك الحسن الثاني رئيسة لمصالح الأعمال الاجتماعية للقوات المسلحة الملكية في 6 مارس 1982. تزوجت الأميرة سنة 1984، و كانت حفلات زفافها حدثا وطنيا بارزا، و لم يكن سنها آنذاك قد تعدى 22 ربيعا. و أًقيمت الاحتفالات و المراسيم بمدينة فاس ابتداءا من يوم 15 سبتمبر 1984.
لقد تزوجت الأميرة لالة مريم بفؤاد الفيلالي، من مواليد سنة 1957، و هو نجل عبد اللطيف الفيلالي الوزير الأول و وزير الخارجية الأسبق. و قد سبق لفؤاد الفيلالي أن أدار شؤون مجوعة "أونا"، أومنيوم شمال إفريقيا، و هي المجموعة الاقتصادية الأولى بالمملكة حيث تمثل مبيعات فروعها نحو 10 في المئة من الانتاج الاجمالي للبلاد و تحقق أكثر من 23 في المئة منها دوليا. كما أن منظومة "أونا3 و شركاتها و فروعها المدرجة في البورصة المغربية تمثل ما يناهز 60 في المئة من قيمة السوق الاجمالية. و من المعلوم أن مؤسسة تدبير مساهمات العائلة الملكية "سيجر" تمتلك 35 في المئة من رأس مال "أونا".
و أصبحت الأميرة لالة مريم أًمّا بوضعها مولودتها الأولى يوم 30أبريل 1986 ، و التي اختار لها جدها الملك الحسن الثاني إسم الأميرة لالة سكينة و كانت قرة عينه، تعرف غليها المغربة عندما كانت تظهر رفقة جدها و جلالته يحضنها على الدوام.
و رًزقت الأميرة لالة مريم بمولودها الثاني يوم 2 يوليو 1988، مولاي إدريس الذي يتابع دراسته حاليا.
و في سنة 1997 تطلقت الأميرة لالة مريم من فؤاد الفيلالي، و كان الإعلان الرسمي عن الطلاق بمثابة القضاء على إحدى الطابوهات، و الجهر بأن أي غمرأة مغربية، حتى ولو كانت أميرة، لا يمكن أن تًجبر على البقاء مع زوج لا يسعدها في حياتها.
و اهتمت الأميرة منذ نعومة أظافرها بإشكالية المرأة و الطفل بالمغرب و العالم العربي حتى قبل أن تترأس سموها المرصد الوطني للطفولة و هي شابة. لقد كانت من أولى المنخرطات في مطالبة المصادقة على الاتفاقية العالمية لحقوق الطفل. و قد قالت سموها في هذا الصدد : " الأهمن ليس هو العالم الذي سنتركه لأطفالنا، و إنما الأطفال الذين سنتركهم لهذا العالم".
و بالإضافة للمهام التي اضطلعت بها، كلفها الملك الحسن في مايو 1999 برآسة مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج. و قد أعلن جلالته عن هذا التكليف بمناسبة الكلمة التي ألقاها جلالته بباريس عند اسقباله الجالية المغربية بالخارج.
و عموما اضطلعت الأميرة لالة مريم بعدة مهام، لاسيما في المجالين الاجتماعي و الثقافي. إنها رئيسة الجمعية المغربية لدعم و مساندة اليونسيف و رئيسة المرصد الوطني للطفل و رئيسة مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج و رئيسة مؤسسة الحن الثانيلقدماء المحاربين. و منذ يوليو 2001 اضطلعت سموها بهمة سفيرة لليونيسكو. و قد عملت على تفعيل حقوق المرأة و الطفل و الدفاع عنها. و قد ترأست سموها الوفد المغربس المشارك في لقاء لبنان حول موضوع " المرأة العربية و النزاعات المسلحة".
كما عينها الملك محمد السادس رئيسة للاتحاد النسائي المغربي لتخلف الأميرة الراحلة لالة فاطمة الزهراء العزيزية.
و تعتبر الأميرة لالة مريم أكثر الأميرات ظهورا في وسائل الإعلام و تمرسا في الميدان الاجتماعي، و هو الميدان الذي خبرته و خبرها منذ أن كان سن سموها 20ربيعا، الشيء الذي جعل الملك محمد السادس يرقيها إلى رتبة كولونيل ماجور اعتبارا للمجهودات التي بدلتها كمشرفة و قائمة على مصالح الأعمال الاجتماعية للقوات المسلحة الملكية.
إن المهام الكثيرة التي اضطلعت جعلتها كثيرة السفر و السفريات عبر العالم، و بذلك ظلت سموها أكثر سفرا إلى الخارج من شقيقتيها الأميرة لالة حسناء و لالة أسماء.
و يرى المقربون في سموها الأميرة المتواصعة، تحب السفر كمسافرة عادية مع عموم الناس، و تهوى العيش ببساطة و أكل الساندويتش. و قد أكد هذا الوصف جملة من الأشخاص حظوا بلقاء سموها و معاينتها عن قرب. و هذا كذلك ما أكدته سيدة إلتقتها بالديار الفرنسية عند إحدى صديقاتها التي تقوم سموها بزيارتها من حين لآخر هناك.
لكن كيف يرى شباب المهجر الأميرة لالة مريم؟
عبر موقع إلكتروني بشبكة الأنترنيت فتح المجال لبعث برقيات للأميرات بمناسبة أعياد ميلاد سموهن يتبين أن شباب المغرب بالمهجر (الجيل الثالث) يرى الأميرة لالة مريم تجسد الجمال العربي الأصيل المقرون بالرزانة المحسوبة بدقة. و قد أجمعت الأغلبية الساحقة لتلك البرقيات افلكترونية على القول بأن سموها "كول" و "كلاسيك" و هو في عرف الشباب يعني الرزانة و القلانية و الأصالة، و هذا بالنسبة للذكور. أما بالنسبةللإناث فقد أجمعن على القول أن الأميرة لالة مريم جميلة و حكيمة و رزينة رزانة علمية عقلانية، و أن سموها تمثل فحوى الجمال العربي الأصيل عندما تظهر مرتدية القفطان المغربي. و تقول إحدى الشابات ، إن مظهر سموها بالقفطان يكاد يكون ملائكيا. هكذا يرى الشباب المغربي بالمهجر الأميرة لالة مريم أكثر الأميرات نشاطا و ظهورا على المستوى الإعلامي.
الأميرة لالة حسناء
تابعت دراستها بالمدرسة المولوية و المعهد الملكي بالقصر الملكي بالرباط، و حصلت سموها على شهادة الباكالوريا ( شعبة الأداب العصرية) بميزة سنة 1985.
كانت مراسيم خطوبة سموها بالدكتور خالد بنحربيط المزداد سنة 1959 ، بمدينة فاس يوم 13 دجنبر 1991 و أقيمت حفلات الزفاف بالرباط يوم 8 سبتمبر 1994.
و أصبحت سموها أما يوم 15 ديسمبر 1995 بانجابها أول مولود لها، و كانت أنثى اختار لها الملك الراحل الحسن الثاني اسم لالة أميمة . و في يوم 20 أكتوبر 1997 و ضعت الأميرة طفلة ثانية، حملت غسم لالة علية. و منذ نعومة أظافرها وجهها والدها نحو الاهتمام بالبيئة ، لتهتم بالحفاظ عليها و حمايتها و العمل على تفعيل الوعي البيئي بالمغرب. اضطلعت الأميرة لالة حسناء برئاسة جملة من الجمعيات، من ضمنها جمعية مساندة الأطفال المرضى و قرى الأطفال ( SOS ) و جمعية الإحسان و العصبة الوطنية لموظفات القطاع العمومي و الجمعية لعلم اآثار و الثرات. كما تترأس سموها مؤسسة محمد السادس للحفاظ على البيئة منذ تأسيسها في صيف 2002. و سموها هي التي كانت وراء جملة من البرامج أضحى يعرفها الصغير و الكبير بالمغرب، لا سيما "بونظيف" و برنامج "المدن المزهرة" و برنامج "المفاتيح الخضراء" و "الأحياء الايكولوجية" و "المدارس الإيكولوجية"، و كلها تعتبر لبنات لاستراتيجية رامية إلى تكريس وعي إيكولوجي و ثقافة بيئية.
كما رعت الأميرة لالة حسناء جائزة "أنظف شاطئ" منذ إحداثها في صيف 1999 . و في سنة 2002، كانت سموها وراء إحداث جائزة "المحققين الشباب في مجال البيئة"، و في سنة 2003 جائزة "الصورة"، و هي التي تمنح سنويا بمناسبة اليوم العالمي للبيئة.
و من منجزات سموها كمهتمة بالبيئة رعايتها و دعمها لمشروع إعادة هيكلة " الحدائق الغريبة" لبوقنادل، شمال مدينة سلا، التي كان قد أحدثها عاشق الطبيعة، المزارع الفرنسي ، مارسيل فرانسوا سنة 1951، و كذا تحويل مسكنه إلة متحف بيئي.
كما مثلت سموها المغرب في عدة لقاءات دولية، نذكر منها لقاء قنة المرأة العربي بأبي ظبي سنة 2002ن و تم خلاله توشيح صدر سموها بوسام زيد من طرف عقيلة دولة الإمارات العربية الشيخة فاطمة بنت مبارك. كما وًشّحت سموها بالقلادة الكبرى البلجيكية، وسام ليوبود الثاني ، سنة 2004 على يد ملك البلجكيين بمناسبة زيارته للمغرب.
الأميرة لالة أسماء أميرة الظل
الأميرة لالة أسماء هي البنت الثالثة للملك الراحل الحسن الثاني الشقيقة الصغرى للملك محمد السادس، ازدادت بالرباط يوم 29 سبتمبر
1965.
تابعت دراستها بالمدرسة المولوية ثم الثانوية الملكية بالقصر الملكي بالرباط. و بعد نهاية دراستها الثانوية وافق الملك الراحل الحسن الثاني يوم 5 نوفمبر 1986 على عقد قرانها بالشاب خالد بوشنتوف ، نجل الحاج بليوط بوشنتوف أحد كبار أعيان العاصمة الاقتصادية، مدينة الدار البيضاء و عضو مؤسس لحزب الأحرار (التجمع الوطني للأحرار). و قد حًرّر عقد زواج سموها بالقصر الملكي بالرباط، و أًقيمت مراسيم الزفاف بمدينة مراكش .
و أصبحت الأميرة لالة أسماء اًمّا يوم 25 يوليو 1987 بإنجابها مولودها الأمول أطلق عليه جده الملك الراحل الحسن الثاني اسم مولاي اليزيد. و في 29 مايو 1992 أًرزقت سموها بمولودها الثاني، و كانت أنثى أطلق عليها جدها اسم لالة نهيلة. و كلاهما يتابعون دراستهما حاليا. و من المهام التي تكلفت بها الأميرة لالة أسماء الرئاسة الشرفية لجمعية الرفق بالحيوانات و حماية الطبيعة.
و من المعروف أن الأميرة لالة أسماء ظلت أقل ظهورا من شقيقتيها الأميرتين لالة مريم و لالة حسناء باعتبارها تفضل البقاء في الظل و العمل في السر.
دور الأميرات بالمغرب
رغم أن الصورة التي كانت سائدة هي التستر على كل ما ارتبط بالأنثى بالقصور الملكية بالمغرب، إلا أنه منذ أمد لعبت أميرات المغرب دورا هاما في تفعيل صيرورة انعتاق المرأة المغربية من جملة من الحواجز. و يشهد التاريخ على جملة من الأحداث تؤكد هذا القول. فأحيانا تكون ممارسات بسيطة و حركات محدودة كفيلة بأن تفتح السبيل لتحقيق خطوات عملاقة. و في هذا الصدد نسوق حدث تاريخي كان له وقعا خاصا و بارزا، و كان بمثابة الانطلاقة لتحقيق خطوة عملاقة في نهاية أربعينات القرن الماضي.
ففي سنة 1947 كلف الملك محمد الخامس الأميرة لالة عائشة بإلقاء خطاب جماهيري و هي مكشوفة الوجه بدون لثام. و قد كان لهذا الحدث وقعا خاصا في المجتمع النسوي بالمغرب. إذ كان بمثابة إعلان رسمي عن ولوج المرأة لركح ظل ذكوريا قسرا.
و ابتداءا من نهاية سبعينات و بداية ثمانينات القرن الماضي اضطلعت بعض الأميرات بجملة من المهام. و هكذا اضطلعت الأميرة لالة مريم بمسؤولية رئاسة المصالح الاجتماعية للقوات المسلحة الملكية و جمعية مساندة اليونسيف. و ترأست الأميرة لالة حسناء جمعية الصم البكم التي تحمل إسمها.
و ترأست الأميرة لالة حسناء جمعية النساء الموظفات. علما أن الأميرة لالة مليكة ظلت تضطلع برئاسة الهلال الأحمر المغربي منذ نشأته في ستينات القرن الماضي.
و اضطلعت الأميرة لالة أمينة في السابق بعصبة حماية الطفولة، و ترأست الأميرة لالة فاطمة الزهراء العزيزية الاتحاد النسائي المغربي منذ 1967.
كما أن الملك الراحل عيّن شقيقته الأميرة لالة عائشة سفيرة للمغرب باتجلترا ثم بايطاليا.
سقوط الطابوهات بالتدريج
إن التتبع لحياة الأمراء و الأميرات بالمغرب يلاحظ أن جملة من الطابوهات يتتالى سقوطها و لازالت المسيرة سائرة في هذا المنحى.
فكان أول طابو في هذا المجال عاينه المغاربة ظهور الأميرة لالة عائشة، عمة الملك محمد السادس و شقسقة الملك الراحل الحسن الثاني، مكشوفة الوجه و بزي عصري أوروبي سنة 1947.
و تلى ذلك الإعلان الرسمي عن طلاق الأميرة مريم و كل ما يحمله من مغزى و دلالات من حيث التأكيد على حقوق المرأة و عدم إجبارها على الاستمرار في زواج لا يسعدها.
و كان الطابو الثالث هو المتمثل في ظهور بعض الأميرات بالسراويل. و كان آخرها إلى حد الآن، و هو أكبرها مدى و فحوى و دلالة، إنه تعرف المغاربة منذ الوهلة الأولى على زوجة الملك و ظهورها و حملها للقب الأميرة الذي كان مقتصرا سابقا على أخوات الملك ، و كذلك باضطلاع سموها بمهام رسمية و انخراطها في الحياة الاجتماعية و الثقافية جهرا و علانية و بجلاء.
و رغم أن بعض الجهات تسعى حاليا جاهدة إلى إعادة رسم الخطوط الحمراء كما كان عليه سابقا باعتمادها على دفوعات هشة ، فإنه يبدو أن كل من يحب الخير لهذا البلد، فعلا و فعليا، عليه بالضرورة مواكبة مسيرة الملك محمد السادس نحو التحديث و تخليص البلاد من جملة من الطابوهات ، كثير منها شكلي لكن ذو دلالة، و دعم هذه المسيرة تطلعا لمغرب الغد الحديث المواكب للعصر المرتكز على هويته الخاصة به.
تربية وتعليم الأميرات
لقد عاش الأمراء و الأميرات، أبناء الملك الراحل الحسن الثاني في إقامة كبيرة. و كان سموهم يستقبلون أصدقائهم في مآدب غذاء و عشاء، و يلعبون معهم، و ينظمون حلقات لمشاهدة الأفلام و حصص للجولات بالدرجات.
كما أن سمهوهم تربوا على حبّ الحيوانات و الرأفة بها، و كانوا يعتنون و هم صغار السن بكلاب و قطط و حيوانات أليفة أخرى. و كل هذا ساهم في اتساع مداركهم و تنمية شخصيتهم.
و درست الأميرات الثلاثة، لالة مريم و لالة حسناء و لالة أسماء بالمعهد المولوي بالقصر الملكي بالرباط. و هو معهد أحدثه الملك محمد الخامس قصد تعليم الأمراء و الأميرات و مرافقيهم من مختلف فئات الشعب المغربي، و الذين يتم اختيارهم من بين التلاميذ النجباء و النتفوقين قصد خلق جو من التنافس.
و قد رافقت الأميرات في دراستهن بالمعهد المولوي تلميذات قريناتهن في السن و في المستوى الدراسي، قاسمهن المشترك أنهن من المتفوقات في مدارسهن. و ذلك لتفعيل التنافس الضامن لجدية الدراسة و رقي مستواها.
و قد حرص الملك الراحل الحسن الثاني على حصول تنويع في مرافقات الأميرات في الدراسة لكن مع وحدة المقاييس، و على رأسها التفوق الدراسي و الذكاء الحاد.
فمن جهة كانت ظروف الدراسة بالمعهد المولوي نخبرية اعتبارا للبيئة و الامكانيات و طبيعة و مؤهلات طاقم التدريس و الإدارة و التدبير. لكن من جهة أخرى، أرادها الملك الحسن الثاني أن تكون شعبية بفعل مرافقات الأميرات و مرافقي الأمراء الذين طانوا عموما من أبناء الشعب المتفوقين في دراستهم. و القصد من هذا المزج كان تربية الأمراء و الأميرات تربية شعبية في جوهرها رغم طابعها النخبوي.
و كسائر التلميذات، عاين المقربون للقصر الملكي، غضب الملك الراحل الحسن الثاني على الميرات أحيانا بسبب عدم قيامهن بواجباتهن على الوجه الذي يستحسنه. كما تعرضت الأميرات كجميع لأطفال للضرب التأديبي، و هذه أمور كانت شائعة منذ زمن بعيد وسط العائلة الملكية و القصر الملكي حرصا على حسن التربية و جودتها.
و قد سبق سبق للملك محمد السادس أن صرح أن تربية جلالته و شقيقه و شقيقاتها كانت تربية صارمة، و البرامج الدراسية كانت ثقيلة، مزدوجة تقليدية و عصرية.
و في هذا الصدد سبق للزميلة "لوجورنال" أن نشرت أن الملك الحسن الثاني سبق له أن كلف أكثر من مرة الجنرال مولاي حفيظ العلوي، وزير التشريفات و القصور الملكية، بتنفيذ عقوبات تربوية كان جلالتها يقرها بخصوص الأمراء و الأميرات. و بهذا الخصوص كان للأميرات نصيبهن من الضرب و العقاب التربويين. و هذا أمر لم يكن يخفيه الملك الراحل الحسن الثاني و إنما كان يجهر بتشدد جلالته فيه.
و في القسم كانت الأميرات تعاملن كتلميذات بالتمام و الكمال، ففي الفصل كانت تلميذات و خارجه أميرات يعاملن بما يليق بمقامهن من تكريم و احترام يًراعى فيه البروتوكول التقليدي. كما أن الأميرات مررن بمرحلة "المسيد" (الكتاب القرآني) و حفظن ما تيسر من القرآن الكريم، و هذا ألأمر حرص عليه كذلك الملك الحسن الثاني.
و من مرفقات الأميرات و زميلاتهن في الدراسة حياة الفيلالي المدغري بنت محافظ القصر الملكي بفاس و التي تزوجت بهشام المنظري سنة 1994 و تطلقت منه في غضون سنة 1999 ، و التي صرحت أنه خطط بدهاء و ذكاء ، من حيث لا تدري هي، للزواج بها حتى يضمن قربه أكثر للقصر الملكي، و قد عانت كثيرا من ارتباطها به إلى حد انكسار حياتها. و حياة هذه هي التي حاول الصحفي الفرنسي "توكوا" الضغط عليها للمساهمة معه في التشهير بالمغرب حسب ما كان قد خطط له هشام المنظري. كما صرحت حياة أنها تربطها علاقة عائلية مع فريدة الشرقاوي التي أعدها "فرانسوا كليري" من حريم القصر في كتابه "حصان الملك". ملبس و زينة الأميرات
دأبت الأميرات المغربيات على اقتناء ملابسهن من أشهر دور الأزياء الأوروبية، لاسيما الفرنسية و الايطالية منها... من قبيل "شي شانيل" و "ديور" و "جان بول كوتيي" و "دولسي كابانا" و "كوسي" و "برادا" على وجه الخصوص.
أما الأحدية و الحقائب المفضلة لذى سموهن هي صنع كبار مصممي الأحدية و الحقائب في العالم.
و بهذا الخصوص تًعد أميرات المغرب من زبناء "شي ماسارو" و "فراتيلي روسيتي" و "هوجان" و غيرها.
و بخصوص الحلي تفضل الأميرات اقتناء القطع النادرة و الفريدة من عند "كارتيي" و "شومي" و "بياجي" و "فان كليف" و غيرهم من الجواهريين المشهورين.
أما عطورهم المفضلة ، فيقوم بإعدادها اختصاصيين في المجال لا سيما "كيرلان" و "إيف سان لوران" و "باتو" على وجه الخصوص. و فيما يتعلق بأمور الحلاقة و تسريحات الشعر، فالأميرات في الغالب لا يقصدن أشهر المحلات في المجال بالعاصمة أو بغيرها، و إنما توجد متخصصات و متخصصون في الحلاقة و التجميل رهن إشارة سموهن، و كلهم لهم باع طويل في الميدان و من خريجي المعاهد العليا في الصنعة.
و في هذا الصدد أغلب المقربين من القصر الملكي يقرون بأن الملك الراحل الحسن الثاني كان يهتم كثيرا بشؤون ملبس و مظهر الأميرات و غالبا ما كان يقوم جلالته على أمرها شخصيا، كما كان كان يحرص جلالته على أن تصل فساتين الأميرات إلى ما تحت الركبتين. و ظلت كل من الأميرة لالة مريم و الأميرة لالة حسناء و الأميرة لالة أسماء تحت مراقبة جلالته في هذا الشأن. أما فيما يتعلق بالملابس التقليدية، الخاصة بالمناسبات الرسمية أو الخاصة، فهي كذلك كانت قواعد مضبوطة، أهمها أنها فضفاضة و مسقيمة. و كلها مخيطة بـ "السفيفة" و خيوط من الذهب الخالص على الطرقة المسماة بـ "المخزنية" ( القفطان المخزني و "الدفينة" المخزنية)، و هي معروفة لدى المغاربة و هي عتيقة ذات جدور عميقة في تقاليد و هوية المغرب. و رغم أن القفطان طرأت عليه الكثير من التغييرات، إلا أن لباس الأميرات التقليدي ظل على الدوام مًعدا بالطريقة التقليدية العتيقة، الطريقة المعروفة بالمخزنية.
ففي المناسبات الرسمية، لاسيما عندما يهم الأمر استقبال رؤساء دولة أو ضيوف مرموقين، تظهر الأميرات في غلب الأحيان باللباس التقليدي الأصيل، القفطان و الدفينة و "المصمات" الذهبية المرصعة بالألماس و أقراط و قلائد و دمالج تناسبها و في تناسق تام مع لون اللباس.
مظهر الأميرات
إن المتتبع لظهور الأميرات مباشرة أمام العموم أو عبر ويائل الإعلام المرئية و الصور المنشورة أو المعروضة يلاحظ بغير عناء أنه حصلت تغيرات بخصوص مظهر الأميرات، سواء في شكل الملبس و طرق تسريحة الشعر.
من قبل كانت الأميرات ترتدين في أغلب الأحيان ملابس غامقة اللون (الأسود، الأزرق الغامق ، الرمادي ، البني هي الألوان الطاغية آنذاك)، كما أن الأميرات لم تكن تظهرن مرتديات السراويل في السابق. و بخصوص تسريحات الشعر،كانت غالبا ما تقتصر على التسريحات الكلاسيكية منه في عرف أهل المجال، من قبيل "الشينيو الأميري". لكن مع مرور الوقت بدأت تتغير الأمور تدريجيا ، و أصبحت الأميرات تظهرن بالسراويل و بفساتين بألوان زاهية و فاتحة و بتسريحات شعر عصرية، و أحيان قصيرة، و تسريعات تعطي للشعر أكثر حرية من السابق. و هذه تغيرات عاينها المغاربة في سيرورة تدريجية، ربما بطيئة لكنها أكيدة.
الأميرات و الطبخ
لقد فرض الملك الراحل الحسن الثاني على بناته الاهتمام بتعلم فنون و تقنيات الطبخ. و كانت الأميرات تعتبرن ذهابهن إلى مدرسة الطبخ بتواركة بمثابة عقوبة.
و مدرسة تعليم فنون و تقنيات الطبخ بتواركة بمشور القصر الملكي بالرباط أحدثها الملك الراحل الحسن الثاني منذ أكثر من عقدين، و هي تابعة لمركز التأهيل الفندقي و السياحي. و كان الهدف من إحداثها المحافظة على تقنيات الطبخ المغربي الأصيل.
كانت الأميرات تترددن عليها بانتظام و حسب برنامج و استعمال زمن دقيق و صارم تبعا لتعليمات الملك الحسن الثاني الذي رغب في أن تكون الأميرات ربات منزل كاملات، بما في ذلك إتقان الطبخ المغربي الأصيل. كما فتحت المدرسة أبوابها ابنات العاملين بالقصر الملكي. و الآن أضحت ، هذه المدرسة التي تعلمت فيها الأميرات فنون و تقنيات الطبخ الأصيل مفتوحة لكل الشابات المغربيات بعد اجتياز مبارة الولوج إليها. و في سنة 2004 تلقت المدرسة ما يناهز 1500 طلبا علما أن عدد المقاعد المتوفرة لا يتجاوز الأربعين فقط.
و تدير المدرسة حاليا الآنسة الحمياني التي قالت أن هدفها هو التمكن من ضمان مناصب مهمة للخريجات و في مواقع تساهم في نشر و انتشار الطبخ المغربي الأصيل عبر العالم. و في هذا الصدد صرحت مديرة المدرسة أن خريجتين تعملان الآن بأشهر مطعم مغربي بلندن بانجلترا "عند مومو"، و أخريات تعملن ببعض السفارات في الهند و تركيا و العربية السعودية و اسبانيا.
ففي هذه المدرسة تعلمت الأميرات إعداد الوصفات المغربية المشهورة، طجين الغنمي بالفواكه الجافة و الكسكس "بسبع خضاري" و الحريرة و "السفة" و ورقة "بسطيلة" و "كعب غزال" و ما إلى ذلك من الأطباق و الوصفات المغربية الأصيلة.
و في هذه المدرسة كانت الأميرات لا يتلقين الدروس النظرية فقط، و إنما كن يقمن بإنجاز الوصفة، عمليا و تطبيقيا، المرة تلو الأخرى حتى بلغن درجة اتقانها. و لربما لهذا السبب كن يعتبرن الذهاب إلى مدرسة الطبخ بمثابة عقوبة، علما أن الملك الراحل الحسن الثاني كان يتابع عن قرب نتائج و تقدم الأميرات في هذا المجال بذات الأهمية التي كان يتابع بها جلالته مسارهن الدراسي و التحصيلي. و بهذه المدرسة معلمات و مكونات تعلمن فنون و تقتنيات الطبخ المغربي الأصيل بدار "المخزن"، ساهمن و لازلن يساهمن في تلقين هذا "العلم و الفن" لأجيال اليوم لضمان استدامته حسب قواعده العريقة. زواج الأميرات
من المعروف منذ القدم أن زواج الملوك و الأمراء و الأميرات ليس كزواج عموم الناس أو أعيانهم، و إنما غالبا ما يخضع لاعتبارات عائلية أو لاعتبارات جيوإجتماعية أو لتوازنات معينة.
و في هذا الصدد حاول بعض المحللين قراءة زواج أميرات المغرب من هذه الزاوية، رغم أنهم يقرون جميعا أن كل العوامل سالفة الذكر لا تحجب المشاعر التي يمكن أحيانا كثيرة أن تتغلب على كل الباقي.
فبالرجوع إلى التاريخ نلاحظ أن والد الملك محمد الخامس ، السلطان مولاي يوسف و الملك الحسن الثاني تزوجوا بنساء مغربيات بربريات. إلا أن الملك الشاب محمد السادس، "ملك الفقراء"، تعامل، و بشهادة الجميع، مع قضية زواج جلالته بعيد عن تلك القواعد المكتسبة. لقد تعامل جلالته معه بكل بساطة و بطريقة عادية جدا كما هو الشأن بالنسبة لكل مغربي. و هذا ما مجده المغاربة الذين رأوا فيه تصرفا اختزل المسافات بينهم و بين ملكهم، و قربهم من جلالته قرب حبل الوريد. علاوة لما تضمنه هذا التصرف من مغزى عميق و إشارات و دلالات قوية للصورة التي يتصورها الملك محمد السادس عن مغرب الغد.
و في هذا الصدد كتب الصحفي "فرانسوا سودان" قائلا أن اختيار أصهار الملك الحسن الثاني يبدو أنه كان خاضعا لاعتبارات جيوإجتماعية. إذ في نظره أن فؤاد الفيلالي ، طليق الأميرة لالة مريم، يمثل البرجوازية الفاسية من أصل فيلالي، و تافيلالت مهد الدولة العلوية. أما زوج الأميرة لالة أسماء، خالد بوشنتوف يمثل "الرأسمالية الشعبية" التي برزت بالعاصنة الاقتصادية للمملكة، الدار البيضاء. و بخصوص زوج الأميرة لالة حسناء ، الدكتور خليل بنحربيط، فهو يمثل ، في نظر الصحفي، الوظيفة العمومية السامية علاوة على أنه من المغرب الشرقي.
أما زواج جلالة الملك محمد السادس، فهو زواج تعالى عن كل هذه الاعتبارات، بل سار في اتجاه تجسيد علاقة القرب بين عاهل البلاد و كل فئات الشعب المغربي، إذ أن الأميرة لالة سلمى تمثل أوسع فئات المواطنين العاديين، عاشت كأيها الناس في حي متوسط، ليس هو بالحي الشعبي العتيق و ليس هو بحي الإقامات، إنه حي المواطن المتوسط (حي القبيبات)، يجاور فيه المعلم البسيط الموظف الصغير و المتوسط و التاجر الصغير و الحرفي و العامل و رئيس المقاولة الصغرى أو المتوسطة... و تغزوه روائح و مظاهر العيش البسيط، حي ينطبق عليه المثل الشعبي القائل "ما عندناش و ما خصناش" و "أقل من بعض و أحسن من بعض".
أما زواج الأميرات الثلاثة فقد خضع لأدق الأعراف و التقاليد المعروفة بالمغرب و تعليم هذا الإرث الذي حافظ عليه المغاربة على امتداد قرون.
دام عرس الأميرات سبعة أيام تخللته خطوات و برامج غاية في الدقة...مراسيم الاستعداد لحمام العروس و مراسيم الخروج منه و حفلات الحناء و ليلة الدخلة و مراسيم الصبيحة و حفلة اليوم السابع و "البرزة" و تغيير "اللبسات"...
إن زواج الأميرات الثلاثة احترم بكل دقائقه هبة و مكانة الزفاف المغربي الأصيل، كما حافظ على نكهته التعددية حسب المناطق المغربية. و جسدت الأميرات في زفافهن التقاليد الأصيلة المغربية للعروس المغربية بتعدديتها و اختلافها و تنوعها. لقد خضع سموهن لأوامر و تعليمات المزينات، جلسن و عيونهن خانيتين طيلة مدة التزيين و الإعداد، و لم يدخل عليهن أي شخص خلال هذا الإعداد ما عدا والدتهن و أقرب المقربات كما جرت عليه العادة المغربية في هذا الخصوص.
زًيّنت الأميرات الثلاثة في زفافهن بأبهى الملابس التقليدية و بالذهب الخالص و الجواهر الأصيلة.
و هذا ما أكدته إحدى المزينات المشهورات، الحاجة نفتاحة المقيمة بفاس العتيقة و التي شاركت في أعراس الأميرات المغربيات. كما أنها زينت عرائس خارج المغرب و من ضمنها نجلة عمر بانكو رئيس جمهورية الغابون و زينت عروسة هذا الأخير بمناسبة زواجه الثاني. و سبق لها أن مثلت المغرب في ملتقيات ثقافية بهذا الخصوص لاسيما بفرنسا.
مجوهرات الأميرات
إن المجوهرات التي تستعملها الأميرات في المناسبات الرسمية و الخاصة يمكن إجمالها في التيجان المرصوة بالألماس و القردات الذهبية و الماسية و الأفراط و الدمالج و الأحزمة التقليدية "المضمات" الذهبية المزركشة بالألماس.
و تظل التيجان هي أهم مجوهرات الأميرات . و كل أميرة لها تاجها. لا تستعمل التيجان إلا في مناسبات معلومة (حفلات الزفاف، العقيقة، بعض المراسيم الرسمية...) و لا تظهرن بها في أغلب المناسبات الرسمية أو في خرجاتهن العادية و سفرياتهن.
و قد توصلت كل أميرة تاجها كهدية من الملك في حفلة زفافها، و هي عادة ظلت قائمة و حافظت عليها الأسرة الملكية. و كان التاج مت الهدايا التي حظيت بها الأميرة لالة سلمى، إنه تاج مرصع بالألماس هداه لسموها الملك محمد السادس. و العارفون بشؤون المجوهرات يقولون أن ألماس تاج الأميرة لالة سلمى هي ألماس معروفة بالألماس الاغريقية، تحمل إسم "مياندر" و هو اسم مشتق من اسم نهر "مياندروس". كما توصلت كذلك الأميرة لمياء الصلح، أرملة الأمير مولاي عبد الله، و الأميرة لالة مريم و الأميروة لالة حسناء و الأميرة لالة أسماء تيجانخن كهدية ملكية في حفل زفافهن.
عمات الأميرات
الأميرة المرحومة لالة فاطمة الزهراء، الأميرة لالة عائشة، الأميرة لالة مليكة و الأميرة لالة أمينة، هن عمّات الملك محمد السادس و الأمير مولاي رشيد و الأميرات التلاتة لالة مريم و لالة حسناء و لالة أسماء.
و اقترن اسم الأميرة لالة عائشة بقضية تحرير المرأة. و منذ أربعينات القرن الماضي رافقت والدها الملك محمد الخامس أثناء تدشين المدارس الحرة و أضحى إسمها آنذاك يًطلق على المدارس الوطنية في جميع أنحاء المغرب. و ظلت الأميرة لالة عائشة معروفة لدى المغاربة بسعة ثقافتها. تزوجت سموها بمحمد اليعقوبي و أنجبت طفلة أطلقت عليها إسم لالة نفيسة.
و اقترن اسم الأميرة لالة مليكة بجملة من الأنشطة الاجتماعية، لا سيما الهلال الأحمر المغربي الذي ترأسته منذ تأسيسه. و هي منظمة كان و لازال لها دور اجتماعي بارز و حاضرة في كل الكوارث الطبيعية التي عرفها المغرب. لسموها ثلاث أبناء، مولاي عمر عمل بالجيش الملكي قبل أن يلتحق بعمله بجانب الملك محمد السادس، و مولاي المهدي و يعمل في قطاع التأمين، و مولاي سليمان ، متزوج و أب لطفلة يعمل بجانب الملك.
و رغم أن الأميرة المرحومة لالة فاطمة الزهراء كانت أقل ظهورا من شقيقاتها إلا أن دورها كان مهما في المجال الاجتماعي،و نجبت سموها مولاي يوسف و هو رجل أعمال، و لالة جمالة و مولاي عبد الله و يعمل بالقطاع الخاص.
و حسب المقربين تظل الأميرة لالة أمينة أقرب العمات إلى الأميرات الثلاثة، و هي أصغر أبناء و بنات الملك محمد الخامس و ابنة زوجته الثانية أنجبتها بالمنفى بمدغشقر و لسموها بنت لالة سمية.
الأميرة لالة عائشة
أعطت الإنطلاقة لتحرير المرأة المغربية
الأميرة لالة عائشة، شقيقة الملك الراحل الحسن الثاني و عمة الملك محمد السادس، كانت من المبادرات في اعتناق قضية تحرير المرأة المغربية. ففي الوقت الذي كانت فيه المرأة المغربية محجبة و تضع اللثام و لا تخرج من دارها إلا رفقة زوجها أو أحد أقاربها الذكور، كشفت الأميرة لالة عائشة عن وجهها و ارتدت الملابس العصرية و ظهرت للعموم رفقة والدها الملك محمد الخامس يوم 10 أبريل 1947 بساحة "كران سوكو" بمدينة طنجة بمناسبة إلقاء جلالته خطابه المشهور المدوي الذي زعزع المستعمر و أفزعه لكونه تضمن المطالبة الصريحة بالاستقلال و أكذ الهوية العربية الإسلامية للمغرب في وقت كانت فيه باريس تخطط لفرنسته و إلحاقه بما كانت سيسميه بالاتحاد الفرنسي الإفريقي.
و كان لظهور الأميرة لالة عائشة مكشوفة الوجه و بالزي العصري وقعا كبيرا على الأوساط النسائية المغربية وفي المجتمع المغربي برمته. لقد كانت إشارة و تدشين مسار خروج المرأة المغربية من طوقها و سجنها الأبدي لتشرع في ولوج مجالات غير مجال أشغال البيت و تربية الدرية. و كانت الإشارة القوية الثانية تعيين سموها سفيرة المغرب بايطاليا ثم بانجلترا قبل زواجها بحسن اليعقوبي.
علما أن الأميرة لالة عائشة كانت موعودة للملك فيصل الثاني، عاهل العراق قبل اغتياله رفقة عائلته الملكية الهاشمية يوم 14 يوليو 1958 من طرف الضباط القوميين العرب ببغداد. و ظلت الأميرة لالة عائشة قدوة كل المغربيات آنذاك.
أقرب العمات إلى الأميرات
إن أغلب المقربين للقصر الملكي يجمعون على أن أكثر عمات الملك محمد السادس قربا من شقيقاته الأميرات الثلاثة لالة مريم و لالة حسناء و لالة أسماء، هي لالة أمينة. و و الأميرة لالة أمينة، أصغر أخوات الملك الراحل الحسن الثاني، تحظى بوضعية اعتبارية خاصة لكونها كانت أصغر أبناء الملك الراحل محمد الخامس ، آخر العنقود كما يقال عندنا، و علاوة على هذا حظيت سموها بمرتبة خاصة وسط العائلة الملكية و بين الشعب المغربي قاطبة لأن اسمها و ولادتها ارتبطا بفترة حاسمة في تاريخ المغرب الحديث، حيث رأت سموها نور الحياة في المنفى بمدغشقر، و كان يعتبرها الملك محمد الخامس هدية ربانية تؤنسه ببراءتها الطفولية في منفاه قبل عودته المظفرة إلى المغرب بعد الاعلان عن الاستقلال سنة 1956.
على درب عماتهن سارت الأميرات الثلاثة
من المعلوم أن شقيقات الملك محمد السادس و عماته و زوجة عمه الأمير الراحل مولاي عبد الله اصطلعن بمسؤوليات وطنية و دولية ذات طابع اجتماعي أو ثقافي أو إنساني أو دبلوماسي. كما بدأت تبرز مؤشرات قوية تفيد أن ألميرة لالة سلمى قد تتولى مناصب في هذه المجالات و غيرها لن تكون شرفية فحسب و إنما فعلية.
فالأميرة لالة مريم و الأميرة لالة حسناء و الأميرة لالة أسماء سرن على درب عماتهن، بنات الملك محمد الخامس و شقيقات الملك الحسن الثاني.
إن الأميرة لالة عائشة دشنت مسار تحرير المرأة المغربية منذ أن ظهرت مكشوفة الوجه بزي عصري بطنجة في أبريل 1947. و بعد اضطلعت بمهمة سفيرة المغرب بايطاليا و بريطانيا. كما أن الأميرة لالة مليكة، زوجة محمد الشرقاوي ظلت تترأس الهلال الأحمر المغربي و عملت أن يحظى المغاربة بالعلاجات الأولية.
و الأميرة لالة أمينة، أرملة المرحوم مولاي إدريس الوزاني، ترأست عصبة حماية الطفولة و انخرطت سموها مبكرا في حلبة الدفاع عن حقوق الطفل و ظلت رياضية مواظبة و التي بفضلها تطورت رياضة ركوب الخيل و تعممت بالمغرب و سموها هي مهندسة مهرجان أسبوع الفرس الذي أضحى صيته عالميا.
و جاءت الأميرة لالة مريم و الأميرة لالة حسناء و الأميرة لالة أسماء للسير على نفس الدرب و اعتماد ذات المسار.
الأميرة المرحومة لالة فاطمة الزهراء العزيزية
أميرة الشمال
من الأميرات الائي ظللن في الظل ، الأميرة لالة فاطمة الزهراء العزيزية، الي عرفت بقربها من المواطنين البسطاء. زوجة الأمير مولاي علي، و هي ابنة السلطان مولاي عبد العزيز و ابنة عم الملك الحسن الثاني.
و رغم أن الأضواء لم تكشفها، إلا أن دورها كان كبيرا في مجال تحرير المرأة المغربية. كما كان لها دور بارز في الاتصال و ضمان التواصل بالملك محمد الخامس أثناء تواجد جلالته بالمنفى بمدغشقر. و كان زوجها الأمير مولاي علي صلة وصل بين السلطان و الوطنيين من جهة، و بين جلالته و أحرار الفرنسيين المساندين للقضية المغربية من جهة أخرى. و كرست الأميرة حياتها للبسطاء و المرأة بالمغرب و اختارت الاستقرار بمدينة طنجة. و قد عرف عنها أنها منذ 30 سنة لم ترتد إلا شكلا واحدا من اللباس، الحجاب الحريري و الجلباب التقليدي المغربي. علما أنه في شبابها كانت ترتدي الزي الأوروبي. عشقت الاختلاط بالناس و التسوق بنفسها بأسواق طنجة العالية. كما كانت تخرج مرارا إلى البادية المجاورة للمدينة و تصعد الجبال لمقابلة المرأة الجبلية البدوية و معاينتها في عملها اليومي الشاق، و أحيانا كثيرة كانت سموها تتحدث ساعات طوال مع إحداهن تحت شجرة أو ظل صخرة أو سفح الجبل. لقد كانت تقول أنها مسكونة بقضية المرأة المغربية البسيطة، و تتقزز لخضوعها الزائد عن الحد المقبول.
و لرصد بعض معالم مسار هذه الأميرة "الشعبية" لا مناص من الرجوع إلى الوراء، و بالتحديد إلى نهاية القرن التاسع عشر بعد وفاة السلطان المحارب مولاي الحسن الأول و خلفه ابنه مولاي عبد العزيز، المفضل له من بين كل أبنائه، و سنه كان آنذاك لا يتجاوز 16 سنة. و في هذا الصدد تقول الأميرة لالة فاطمة الزهراء أن المولى عبد العزيز لم تكن لديه تجربة لكنه كان يحظى بثقة والده الذي كان ينصحه دائما قائلا له: "عليك بالحرص الشديد...فالدول ظلت دائما تطمع في المغرب لكنه تمكن من المقاومة...قاوم العثمانيين أنفسهم..و مهما يكن من أمر عليك الاحتفاظ على استقلال البلاد".
و تضيف الأميرة ...استقر السلطان مولاي عبد العزيز بقصر مراكش و أحاط به عرمرم من الخدم و العبيد و المقربين من الحاشية، و بعد فترة قصيرة جدا امتلك حريما هائل العدد. و ابتداءا من سنة 1900 استلم السلطان الشاب زمام السلطة رسميا و ظل محاطا بمن يدلون له بالنصائح السيئة، علاوة على أنه كان المحيطون به لا يوعزون إليه إلا بما هو سيء، و اكتملت الصورة ببروز السلطان كمبذر و مسرف و مبدد، يلهث وراء مستجدات الحياة عاشقا لها و مهووس بالاختراعات الأوروبية (الدراجة، السيارة ، صندوق الموسيقى، آلات التصوير...). و مع اتساع مصاريفه التي لم يكن لها حد اضطر السلطان إلى الاقتراض... و استفحلت الأمور و ثقل الدين و تكاثرت الانتفاضات... و في الأخير تخلى عن العرش لفائدة مولاي عبد الحفيظ ثم لفائدة مولاي يوسف بعد 4 سنوات و بعد التوقيع على معاهدة الحماية. و استقر مولاي عبد العزيز بمدينة طنجة و معه حاشيته من خدام و عبيد و حريم.
و الأميرة فاطمة الزهراء هي الإبنة الوحيدة لمولاي عبد العزيز الذي بعد رشد و استخلاص الدروس قرر تمكين قرة عين ابنته الوحيدة من تعليم عصري منفتح على العالم، و قد سهل وضع طنجة الدولية آنذاك لبلوغ المرمى.
و تقول الأميرة... آنذاك كانت طنجة منفتحة على العالم و على جميع الثقافات و جميع اللغات. و حتى لا تشعر الأميرة بالوحدة تبنى والدها 15 طفلة يتيمة أو منحدرة من أسر فقيرة للدراسة لمرافقتها في الدراسة بالمدرسة الايطالية ثم بالكوليج الفرنسي. و تقول... "كان دائما يقول لي عليك أن تتعلمي جيدا بلدك بأي شكل من الأشكال و للقدرة على العطاء للآخر..."
و عندما بلغت الأميرة السابعة من عمرها سافرت رفقة أبيها إلى فرنسا... و تحكي..." كنت رفقة أبي و زوجته نتجول أياما بكاملها بباريس... و كان أبي يحث زوجته بكشف وجهها...آنذاك لم أكن أعرف كيف ستتطور حياتي لكن كنت أرغب بشدة أن تكون حياة بدون حواجز و عراقيل و بدون خضوع... كنت أحلم بالحرية..."
و مرّت السنين و مرحلة المراهقة. و شرع مولاي عبد العزيز في الحديث مع ابنته عن الزواج...اقترح عليها ابن عمها، ابن خليفة السلطان بتطوان لكنها لم تستحسن الفكرة و لم ترفضها في البداية بقوة لا سيما و أن ابن العم كان متزوجا و له أطفال... و تضيف ... "إن الشابة لا تريد الزوج إلا إليها وحدها دون سواها".
لكن مولاي عبد العزيز ظل يطارد ابنته إلا أن وافقت على مقابلة خليفة السلطان و قبلت الأمر، و كان عمرها آنذاك لا يتجاوز 16 سنة. شابة أصبحت قائمة على الدار السلطانية. و استقرت بالمبنى الذي كان مخصصا للقيصر الألماني، و هو المكان الذي ظلت تقطنه دون مغادرته. كان الزفاف سنة 1949، و عقد قران الأمير مولاي الحسن بن خليفة السلطان بتطوان بالأميرة فاطمة الزهراء . دامت الاحتفالات أسابيع، و قدّر المدعوون بالآلاف، و حضر الحفل الكلاوي باشا مراكش و الصدر الأعظم و أعيان الإسبان و رؤساء قبائل الشمال و الرجال الزرق الآتين من الصحراء.
و كان أبرز المدعوين الأمير مولاي الحسن (الملك الحسن الثاني). لقد كانت الاحتفالات ضخمة حقا...فنطازيا ، مهرجنات غنائية و رياضية، استعراضات، مأدوبات فاخرة، خيام منصوبة في كل أرجاء المدينة، سهرات في كل أرجاء المدينة...
و للإشارة كانت الأميرة فاطمة الزهراء، أول أميرة آنذاك تكشف وجهها للعموم...و في هذا الصدد تقول...كان زوجي رجل عصري يعرف حق المعرفة كيف ربّاني والدي...
و عاشت الأميرة بقصر تطوان...و تقول في هذا الصدد أن الحياة بهذا القصر تكاد تكون مقرفة من جراء ثقل البروتوكول التي كانت تتحملها على مضض...و كانت تعبر عن هذا الشعور بالتصريح بأن عليهم بالتعليم لأنه فرصتهن الوحيدة و أن القرآن يمنحن هذا الحق و حقوق كثيرة أخرى و لا ينصحهن بالخنوع المفرط و التبعية المميتة...
و عندما كانت الأميرة يضيق بها الحال تغادر تطوان و تسافر إلى طنجة لقضاء أيام بين أفراد عائلتها هروبا من ذلك الجو الثقيل. و بعد الإعلان عن الاستقلال تم إلغاء النيابة السلطانية بالشمال و عًيّن نائب السلطان سفيرا للمغرب و رافقت الأميرة زوجها. و عند عودتها إلى المغرب سنة 1969 اقترح عليها الملك الحسن الثاني إحداث الاتحاد النسائي المغربي و القيام عليه. و تتساءل الأميرة قائلة:"ماذا كان يدور بدهن الملك عندما علي ذلك ..." إنه تساؤل ظل يشغل بالها. لكنها انقضت على الفرصة اعتبارا لاهتمامها المبكر بإشكالية تحرر المرأة المغربية، و لكنها ظلت تعتبرها معركتها الأولى. لكنها كانت تعرف حق المعرفة أن عليها أن تسير على مهل و في صمت بدون أدنى انزلاق لا في الفعل فحسب و لكن حتى في اللفظ حتى لا تقلق الملك. و قد قالت إحدى المحاميات في حق الأميرة في هذا الصددد ك "كانت تقود حربا لكن بطريقة ناعمة جدا".
و منذ أن تكلفت بالمهمة بدأت جولة في المغرب. كانت تمتطي سيارتها و تتجول عبر البلاد... و قد أدهشتها درجة الفقر المدقع الذي عاينتها لاسيما في صفوف النساء و حرمان جهات و مناطق عديدة من الماء الشروب و الخدمات الصحية و العلاجية الأولية و تجدر الأمية بين المغربيات...تحدثت للنساء في كل مكان و شرعت بمآسهن لاسيما الأرامل و المطلقات منهن...و كانت البداية بإنشاء فروع الاتحاد النسائي في مختلف أرجاء المغرب...و انتقلت صحبة الأطباء و الصيادلة و رجال القانون المتطوعين إلى جملة من المناطق المغربية لتوضيح جملة من الأمور للمرأة المغربية... و سهرت على إحداث مراكز الاستماع للمرأة و ورشات التكوين النسائي و التعونيات ، كما عملت على تشجيع أليات القروض الصغرى. و بعد ذلك بدأ الاهتمام بدفع المرأة المغربية للمشاركة السياسية.
و كانت الأميرة تقول دائما في تصريحاتها .. الفقر..منع الحمل...السيدا...تحرر المرأة... هذه عبارات و كلمات تخيف البعض لكن علينا التحادث فيها بصراحة و مسؤولية لأنها أمور لا تهم المرأة المغربية وحدها، و إنما المجتمع بأسره، من قمته إلى قاعدته. و قد استغلت صفة الأميرة لتشجيع النساء على الاهتمام بقضاياهم...فمن كان يقدر بالمغرب آنذاك أن يمنع زوجته أو بنته أو قريبته من حظور نشاط تشرف عليه الأميرة ابنة عم الملك...فحتى العلماء و الفقهاء لم يتجرؤوا على النبس بكلمة في هذا الصدد.
و بخصوص الحجاب...صرحت الأميرة فاطمة الزهراء مرارا قائلة... "أنا أرتدي الجلباب و أعمل مع شابات تدرتدين فساتين قصيرة...و حفيدتي تعشق ارتداء السراويل...فلكل حريته طبعا..." أما بخصوص تعدد الزوجات فقد أعلنت الأميرة حربا ضروسا في مواجهته...و في هذا الصدد كانت تنصح النساء بإدراج أقصى البنود بعقد النكاح.
الأميرات و التاريخ
الأميرة خناسة زوجة السلطان مولاي اسماعيل
حفظ التاريخ أسماء أميرات عزيزات فاضلات حملن الشعور الديني النبيل على أن يكن ذوات أثر طيب يبقى حديث الأجيال بعدهن. و في هذا الصدد وجب اإشارة إلى أن الملوك المغربة لا يحجون حسب ما هو معروف منذ القدم. فهناء ملوك و أمراء علويون اعتمروا لكن لم يسبق أن سمعنا علنيا عن حجهم في موسم الحج.
و إذا كانت كتب التاريخ العام لم تعنى كثيرا بتسجيل الحاجات المغربيات إلى بيت الله، و بذلك ضاع المفيد الجيد من أخبار تلك الرحلات، إلا أن بعض كتب الرحلات فد أنتقذت من الضياع مواقف نبيلة لمن تكبدن المشاق في سبيل الله سعيا و انفاقا و بذلا للمعروف. و من الأميرات المغربيات للائي حفظ التاريخ سعيهن إلى بيت الله الحرام، زوجة السلطان العلوي مولاي اسماعيل ، الأميرة خناسة بنت الشيخ بكار المعفري. و كانت ذات جمال وقعت من نفس السلطان أجمل موقع. و فد حفظت لها الذاكرة المغربية آنذاك اهتمامها بالثقافة الدينية و الأدبية.
و الغريب أن كتب تاريخ المغرب قد أسهبت في تاريخ زوجها السلطان العلوي، فأفردت كتب كثيرة لترجمة حياته و تجسيل وقائعه. و لكنها لم تكتب عن هذه الأميرة الجليلة ما يشفي غليل المهتم. و بذلك ظلت سيرتها مطوية حتى ظهر مخطوط الإسحاقي في خزانة القرويين و الذي تحدث عن أمجادها الكثيرة. و جاء في هذا المخطوط بصدد الأميرة خناسة الجليلة ..." أنها آثرت أشراف بعطاياها الفاخرة، و هدايا سنية لم يعرفوها من ذي قبل، و كستهم أنواع الثياب الرفيعة علاوة على المبالغ النقدية الذهبية الباهظة، كما رًوي عنها أنها أغدقت خيراتها على سائر رجال العلم و الفضل بمكة ليلة فتح البيت المبارك خصيصا لها من لدن شريف مكة, الأمر الذي ظل أحدوثة ينعث بها المغرب على الدوام...كما دفعها حب الخير إلى اقتناء عقار بمكة يقع في أشرف بقعة حبستها على جماعة من المقربين و الطلبة... و عيّنت ناظرا يسهر على ريع الوقف و توزيعه..."
و فال الزركلي عن الأميرة خناسة ... حجت سنة 1142 هجرية, فعمّت الناس بعطاياها حتى بلغ ما أنفقته في في حجتها مئة ألف دينار. كما ذكر أنه كان لها علما بالفقه و الأدب، و هذا ما جعلها موضع مشورة زوجها السياسية، إذ كانت تشاركه على مسرح الأحداث و تبدي من الآراء ما يكون موضع الاحتقاء و التنفيذ.
إن الأميرة لالة سلمى، منذ أن أضحت السيدة الأولى بالمملكة، كل المعلومات بصدد سموها في جميع الإدارات أصبحت تحظى بطابع الخصوصية، و بالتالي محمية. و هذا ما وقع بالنسبة لملف سمو الأميرة بثانوية الحسن الثاني و بالمدرسة العليا للمعلوميات و تحليل النظم (انسياس) بالرباط، و هو الملف الذي يتضمن وثائق سموها الشخصية و ملف الترشيح و النتائج الدراسية و بحوث التداريب و غير ذلك.
و مبكرا بدت اهتمامات سموها البارزة بقضية المرأة المغربية، لاسيما الأمهات العازبات ، و في هذا الصدد حرصت سموها على إحداث مركز لاستقبال الأمهات بفضل هبة ملكية و دعم من طرف مؤسسة محمد الخامس للتضامن و مؤسسات أخرى وكنية ودولية. كما تهتم سموها اهتماما ملحوظا بجمعية "التضامن النسائي" المنشأة لمد اليد للأمهات المتخلى عنهن او في وضعية صعبة.
و منذ ظهور سموها الرسمي الأول بالولايات المتحدة أجمعت كل تصريحات عقيلات كلينتن الرئيس الأمريكي السابق، و الرئيس بوش و كوفي أنان الأمين العام للأمم المتحدة، أكدت اعتمادهن على مساهمة سموها في تفعيل الوعي العمومي و الاهتمام بإشطالية السيدا بشمال افريقيا قصد توحيد الجهود للتصدي لها.
الأميرة لالة لمياء الصلح
الأميرة الشرقية
الأميرة لالة لمياء الصلح، ابنة رياض باي الصلح الوزير الأول اللبناني المغتال بالأردن سنة 1951، أرملة الأمير مولاي عبد الله، منحدرة من العائلة اللبنانية المرموقة، عائلة الصلح و هي عائلة بيروتية معروفة برزت مبكرا في المعترك السياسي و الحقوقي و الاجتماعي. و والد الأميرة، رياض الصلح، كان له أثر كبير في بناء لبنان السياسي و القومي الحديث في عهده . ظلت مواقفه الوطنية بارزة. و في 16 يوليو 1951، بينما هو في طريقه إلى مطار عمان عائدا غلأى بيروت، فاجأه أشخاص تابعين للحزب القومي السوري الأجتماعي اللبناني و أطلقوا عليه النار فقًتل في السيارة.
لقد كان رياض الصلح على خلاف مع القوميين بخصوص العقيدة لأنه كان مؤمنا بلبنان و بالعالم العربي، أما القوميون فكانوا يحلمون بسوريا الكبرى التي تعارض كليا فكرته. و لازال الجدال قائما إلى حد الآن بشأن الجهات المسؤولة فعليا عن اغتياله هو و الملك عبد الله، و لم تفرج بعد السلطات الانجليزية عن أسرار هذا الاغتيال. و تقول رواية، أن أحد قتلة رياض الصلح إلتجأ إلى أحد الثكنات الانجليزية بمدينة عمان ثم تهريبه إلى إسرائيل و من تمة إلى الأرجنتين.
و اهتمت الأميرة لالة لمياء الصلح بقضية المكفوفين بالمعرب و ترلأست المنظمة العلوية لرعاية المكفوفين منذ تأسيسها سنة 1967، و لازالت تعمل جاهدة لتحسين ظروفهم.
و للأميرة 3 أبناء، الأمير مولاي هشام و الأميرة زينب و الأمير مولاي اسماعيل، و هذا الأخير غير متزوج و هو خريج جامعة الأخوين و يعمل حاليا مع الملك محمد السادس. و إبنها الأمير مولاي هشام يًعد أكثر الأمراء من جدب الأنظار بفعل مواقفه، و هو الذي أًطلقت عليه أوصاف من قبيل الأمير الأحمر و أمير الأفكار الثورية و الأمير الذي تجاوز الخطوط الحمراء. كما راجت بصدد جملة من الإشاعات، ساهمت في ترويجها بعض وسائل للإعلام المرئية و المكتوبة، لاسيما بعد أن فصّل الهجرة الاختيارية و الاستقرار خارج المغرب بالولايات المتحدة. فقد قيل بخصوص هذا الأمير ما لا يصدقه العقل المغربي أحيانا... إشاعات روجتها حتى كبريات الصحف العالمية ذات وزن تاريخي مشهود لها به و ثقل في المجال الإعلامي، منها الفرنكوفونية و الأنكلوساكسونية... من قبيل حمل الأمير لأفكار انفلابية و رغبته في تأسيس تنظيم الضباط الأحرار أو التخطيط لإمارة بالصحراء... و هذا علاوة على ما نشرته بخصوص مواقفه حول الملكية و النظام الملكي بالمغرب و اتهامه لمديرية المحافظة على التراب الوطني (D S T) بحشر أنفها في دقائق حياته الخاصة.
و للإشارة فقد اتصلت جريدة القدس العربي بالأمير مولاي هشام لاستفساره عن سبب غيابه من الصورة العائلة الملكية التي نشرتها مؤخرا مجلة "ماتش موند" فكان رده :" إن الصورة المنشورة بالألوان و أنا كلاسيكي أحبّ الصور باللونين الأبيض و الأسود".
علما أن الأمير مولاي هشام كان قد أعرب في أكثر من مناسبة عن مواقف ميّزته عن المواقف الرسمية بخصوص قضايا حيوية كبرى من قبيل الديمقراطية و حرية التعبير و المواطنة و تدبير الشأن العام بالمملكة. لكنه أكد حضوره في احتفالات الذكرى الخمسينية لعودة الملك محمد الخامس من المنفى المتزامنة مع عيد الاستقلال.
الأميرة لالة زينب
الأميرة لالة زينب، بنت الأميرة مولاي عبد الله و الأميرة لمياء الصلح و شقيقة الأمير مولاي هشام.
تخرجت من المعهد العالي للتجارة و إدارة المقاولات بالدار البيضاء، و ظلت خلف الأضواء الكاشفة.
و غابت عن الأنظار" منذ إعلان زواجها برجل الأعمال محمد بنسليمان حفيد الفاطمي بنسليمان باشا مدينة فاس المشهور. و منذئد انقطعت أخبارها، و لم تظهر إلا في غضون شهر ديسمبر 2004 يوم تدشين المحل الجديد الذي افتتحه مصمم الأزياء "ديور" بمراكش، حيث ظهرت رفقة زوجها ضمن المدعووين لحفلة الافتتاح. ثم غابن ثانية و لم تظهر إلا بمناسبة الصورة العائلية الملكية التي نشرتها المجلة الفرنسية "كاتش موند" ضمن التحقيق الذي أنجزته بمناسبة الذكرى الخمسينية لعودة الملك محمد الخامس من منفاه و الاعلان عن استقلال المغرب.
الأميرة لالة سكينة
الأميرة لالة سكينة هي البنت البكر للأميرة لالة مريم. تعرف عليها المغربة عندما كانت تظهر رفقة جدها الملك الراحل الحسن الثاني في بعض المناسبات و جلالته يحضنها باستمرار.
و الأميرة لالة سكينة هي الحفيدة الوحيدة للملك الراحل الحسن الثاني التي تحمل لقب الأميرة تبعا لقرار اتخذه جلالته.
بدأت سموها تظهر بجانب الملك محمد السادس منذ سنة 2000 ، و كان أول ظهور بارز بمناسبة زيارة جلالته الرسمية للديار الإسبانية.
و في سنة 2004 رافقت الأميرة لالة سكينة والدتها الأميرة لالة مريم إلى الأردن لحضور أشغال القمة الثانية للمرأة العربية.
و سموها تتابع حاليا دراستها بالعاصمة الفرنسية باريس.
كيف يرى الملك إعداد ولي العهد؟
رغم صغر سن بدأ ولي العهد يخضع للاستعداد للمهام الجسام التي تنتظره. و لقد دشن صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، نجل الملك محمد السادس و الأميرة لالة سلمى، نشاطه الرسمي باستقبال الفريق الوطني لكرة القدم بعد مشاركته سنة 2004 في نهائيات كأس إفريقيا للأمم. و يود جلالة الملك محمد السادس أن تكون تربية ولي العهد كاملة متكاملة تسير على نفس النهج الذي حكم تربية جلالته. و ذلك لتمكين سموه من الاستمرار في الحرص على ضمان التوازن الخلاق بين الأصالة و المعاصرة في صيرورة مواكبة العصر، لأن هذا السبيل يضمن تبويء المغرب المكانة المشرفة بين دول العالم المتغير.
و يعتقد جلالته أن أحسن "وصفة" تعليمية لبلوغ هذا المرمى هي تلك تعتمد على تربية صلبة و مسار دراسي و تحصيلي للعلم النافع. إلا أن جلالته لا يستحسن أن يقلده ولي العهد و إنما يسعى جلالته إلى أن يصيغ ولي العهد شخصيته الخاصة به عملا بمقولة جلالته : "أنا أنا ، و هو هو" لأن النهج و الأسلوب هو الإنسان.
إن جلالته يحرص الحرص الشديد على الاعتناء بنفسه بولي العهد في جو عائلي ككل أرباب العائلات المغربية. و في هذا الصدد صرح جلالته لمجلة "باري ماتش" الفرنسية أن ولي العهد يقوم من حين لآخر بزيارة جدة والدته رفقة أمه الأميرو لالة سلمى، و التي ربت سموها منذ أن كان سنها لا يتجاوز السنتين.
وللإشارة فإن لباس و هندام ولي العهد الأمير مولاي الحسن بدأ يستقطب اهتمام بعض الشركات العالمية المتخصصة في ألبسة الأطفال. و في هذا الإطار كشفت شركة "ويل ويشرز " (WILL WISHERS ) عن اهتمامها البالغ و تعمل جاهدة لتحظى بشرف إعداد ملابس و لوازم سموه.
الأميرات الفنون التشكيلية
إذا كانت جميع الأميرات تهتمن ، بشكل أو بآخر، بالفنون التشكيلية و تشجعن الفنانين ، إلا أنه يبدو أن الأميرة لالة مريم و الأميرو لالة حسناء هما أكثر اهتماما بالفنون التشكيلية المغربية. و أضحى معروفا عن سموهما أنهما يقتنيان أكثر من غيرهما من الأميرات لوحات الفنانين التشكيليين المغاربة. و في حوزتهما على وجه الخصوص مجموعة خاصة و نادرة لجملو من الفنانين التشكيليين المغاربة المرموقين ، منهم اراحلين و الأحياء، أمثال الشعيبية و القطبي و بنيسف و محمد البناني و غيرهم.
تعمل في صمت و بعيدا عن الأضواء
الأميرة لالة حسناء، هي البنت الثالة للملك الراحل الحسن الثاني و الشقيقة الوسطى للملك محمد السادس، ازدادت بالرباط يوم 19 نوفمبر 1967.
18 mars 2006
» رجال ومؤلفات
محمد المنوني ومنهجيته في إعادة صياغة التاريخ المغربي
إن قضية إعادة كتابة تاريخ المغرب قد مثلت هما وطنيا مشتركا تلاقت فيه جهود المؤرخين على اختلاف مشاربهم الفكرية واتجاهاتهم المنهجية من أجل تصحيح الصورة المشوهة التي رسمها مؤرخو الحركة الاستعمارية عن المغرب، وتقديم صورة بديلة عن واقع المغرب الحقيقي كما تشكلت ملامحها ومكوناتها عبر التاريخ..
يعتبر محمد المنوني من أبرز وألمع المؤرخين الوطنيين، خلف إنجازات نوعية في مجال التأليف التاريخي، وبذل جهودا مضنية للكشف عن النصوص المغربية المجهولة في بطون أمهات الوثائق بالمغرب وإبراز آثار اليقظة المبثوثة في بطون المصادر النادرة. كل هذه المجهودات كانت تستهدف النهوض بمشروع إعادة كتابة "التاريخ الوطني المغربي". فكان بحق مؤرخا وطنيا من الطراز الأول.
خلف تآليف مهمة عن تاريخ المغرب ومصادره ومخطوطات مكتباته وخزائنه، هذه التآليف واكبت المرحلة التاريخية الممتدة من دخول الإسلام أرض المغرب إلى مرحلة الانعتاق والحرية. فكشف بذلك النقاب "عن مظاهر مجهولة من الشعب المغربي: تعليمية واجتماعية وثقافية، مقدما بذلك الأدلة الكثيرة على أن المغرب كان أمة واعية بوحدتها وخصوصيتها"(1). لذلك فإننا إذا وقفنا على حقيقة كنه مشروعه العلمي نستبين أن مشروعه هذا في الأصل يتمحور حول التأريخ لتاريخ الفكر والحضارة العربية الإسلامية على مختلف المراحل الزمنية.
1- التجديد الموضوعاتي في الكتابة التاريخية للمنوني
2- التجديد في المادة المصدرية
3- رصد بعض خصائص المنهجية للكتابة التاريخية
4- البعد التوثيقي في الكتابة التاريخية
5- طبيعة الرؤية المرجعية للكتابة التاريخية عند المنوني
6- منهجيته في التأريخ للجانب الأدبي واللغوي
7- خلاصة
بعد هذا العرض الموجز لأهم وأبرز الخصائص المنهجية التي اتسمت بها الكتابة التاريخية عند المنوني، نستخلص أن هذه المميزات جميعها قد أضفت على مجموع كتاباته طابعا فريدا ومميزا. شأنه في ذلك شأن كبار المؤرخين المغاربة من أمثال عبد الرحمن بن زيدان، ومحمد داود، والمختار السوسي" وغيرهم كثير. ثم إن ما بذله المنوني من جهود علمية ضخمة لكشف النقاب عن كثير من غوامض تراثنا الوطني تنقيبا وتصنيفا ودراسة، جعله بحق مرجعا نادرا وأصيلا في ما يخص عالم المخطوطات المغربية. ولذلك اعتبر محمد عابد الجابري أنه بدون "إدخال المنوني في مجموعة الباحثين المغاربة المعاصرين ستبقى هذه المجموعة ناقصة، بل غير مؤسسة وغير أصيلة"(5) ، ونفس الأمر أكده عبد الله العروي حين قال بأن " اسمه يجب أن يسجل في صدر كل مؤلف، بأي لغة كانت حول مغرب القرن التاسع عشر"(6).
الهوامش:
(1)- في النهضة والتراكم، عبد الله العروي، ص 21
(2)- محمد المنصور، الكتابة التاريخية المغربية، ص 22
(3)- انظر كتابه "العلوم والآداب والفنون على عهد الموحدين" طبعة معهد مولاي الحسن، تطوان/ 1950، ص: 136-148.
(4)- مجلة دعوة الحق، العدد 254، سنة 1986، ص 41
(5)- الجابري، محمد المنوني مظهر من "مظاهر يقظة المغرب الحديث" والمعاصر، ص 35
(6)- عبد الله العروي، تحية، في النهضة والتراكم، ص 24
محمد بن بطوطة
هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمان بن يوسف اللواتي الطنجي، كنيته أبو عبد الله، ولقبه شمس الدين، الرحالة الشهير المعروف بابن بطوطة، ينتسب إلى قبيلة لواتة البربرية، وولد في طنجة سنة 703هـ موافق 1304م.
نشأ ابن بطوطة في أسرة عريقة اشتهرت بالعناية بالعلوم الشرعية، وولاية القضاء، ويذكر منهم محمد بن يحيى بن بطوطة قاضي مدينة رندة بالأندلس. وتلقى ابن بطوطة تعليمه على يد مشايخ وفقهاء مدينة طنجة وعلمائها، وحصل إثر ذلك قسطا لا بأس به من المعارف في التوحيد والفقه المالكي الذي كان ومازال سائدا في أرض المغرب وعدد من البلاد الإفريقية؛ الأمر الذي يسر له تولي القضاء منذ ريعان شبابه. فتقلد القضاء بركب حجاج تونس أثناء رحلته الأولى، ثم تولى القضاء بالهند وجزر المالديف. ولما عاد إلى المغرب، بعد رحلته الثالثة إلى إفريقيا السوداء، تولى القضاء بتامسنة. وقد كان له كذلك اطلاع على مسائل النحو وقواعد اللغة العربية، حيث سجل ملاحظة على خطيب جامع البصرة، الذي كان يلحن في خطبة الجمعة. وكان يقرض الشعر كما هو ثابت في رحلته. وكان له أيضا اعتناء بسماع الحديث على مشايخ المحدثين الذين لقيهم بالشرق الإسلامي، وقد أجازه مجموعة من كبار العلماء مثل: ابن الشحنة، الذي سمع عنه صحيح البخاري في أربعة عشر مجلسا بقراءة البرزالي وأجازه إجازة عامة، وسمع أيضا عن مجد الدين إسماعيل بن محمد بن حداد مسند الشافعي ومشارق الساغاتي في شيراز، وسمع في بغداد مسند الدار عن السراج القزويني، وعلى العموم فإن اتصال ابن بطوطة بالعلماء والفضلاء، أثناء حله وترحاله بالبلاد الإسلامية؛ أكسبه استفادة كبيرة من علمهم، وخبراتهم، حتى أنه انتقد ابن تيمية، واتهمه في تفكيره وعقله، ومكنه من تعلم اللغة الفارسية والتركية، وشواهد ذلك في بطن كتابه "تحفة الأنظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار"، التي تعد أشهر الرحلات الإسلامية القديمة على الإطلاق، والتي اشتهرت في القرون الموالية لموت مؤلفها، حيث تناولتها أيدي النساخ، ثم توالت طبعاتها خلال القرنين الأخيرين وتنوعت نشراتها التي ابتدأت في أوروبا أولا ثم في البلاد العربية.
وضمن ابن بطوطة كتابه: "تحفة الأنظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" تفاصيل مشاهداته وملاحظاته أثناء تنقله من أرض إلى أخرى ومعاشرته لأمة من الأمم التي زارها. وانطلقت رحلته الأولى من مدينة طنجة سنة 725 هـ موافق 1325م، وهو لم يتجاوز بعد الثانية والعشرين من عمره، قاصدا مكة المكرمة لأداء مناسك الحج، إلا أن هذه الرحلة انقلبت على جولة طويلة استغرقت حوالي أربع وعشرين سنة، وشملت إفريقيا الشمالية وآسيا، وزار خلالها أهم عواصم العالم آنذاك، وهي أهم مرحلة في رحلة ابن بطوطة، إذ بلغ فيها إلى بلاد الصين والهند، وتولى خلالها القضاء مرتين بكل من الهند وجزر المالديف.
أما الرحلة الثانية فقد انطلقت من مدينة فاس سنة 751 هـ موافق 1351م واستغرقت سنة كاملة، كان قد عزم فيها على التوجه إلى بلاد الأندلس قصد الجهاد والمشاركة في مواجهة زحف ملك قشتالة ألفونسو الحادي عشر الذي بدأت مملكته تتوسع على حساب مملكة غرناطة الإسلامية، إلا أنه تحول مرة ثانية إلى التجوال في أقاليم الأندلس وقواعدها ومدنها.
وفي الرحلة الثالثة التي انطلق فيها من سنة 753 هـ موافق 1352م من مدينة فاس متوجها إلى بلاد السودان والبلاد الإفريقية المجاورة لها، بتكليف من أبي عنان المريني، ليتصل بملوكها وأمرائها، ويربط العلاقات السياسية والتجارية معها، وقد زار خلال هذه الرحلة مجموعة من الدول والأمم، منطلقا من سجلماسة إلى تغازي، فأيولاتن، فمالي، فتنبكتو، فكوكو وأخيرا مدينة تكدا ومنها عاد إلى سجلماسة، ثم إلى فاس حيث أمر أبو عنان بتدوين رحلاته على يد الكاتب محمد ابن جزي الكلبي. وتوفي ابن بطوطة سنة 770 هـ موافق 1368/ 1369 بتامسنة التي كان يزاول القضاء بها.
يعد القاضي عياض من فطاحل علماء المغرب ، وإمام وقته في الحديث وعلومه وفي النحو واللغة وأخبار العرب وأيامهم وأنسابهم. وهو أحد رجالات المغرب الموسومين بالولاية والصلاح والمشهورين بالتصوف. من أشهر مؤلفاته كتاب "الشفا"..
القاضي عياض
مؤلف الشفاء هو القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرون بن موسى بن عياض بن محمد بن عبد الله بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي، وهذه السلسلة الطويلة في نسبه تشير إلى نباهة أسرته، كما أن تكرار اسم عياض في هذا النسب يشير إلى تقليد تسمية الأحفاد بأسماء الأجداد لدى الأسر العريقة، وقد استمر هذا التقليد في ذرية القاضي عياض الذي له حفيد حمل اسمه وولي القضاء مثله.
ينتمي القاضي عياض إلى يحصب، ويحصب هذا هو أخوذي أصبح جد الإمام مالك فبين القاضي عياض والإمام مالك صلة القربى والانتساب إلى قبيلة حمير من عرب اليمن ذات الصيت الذائع في التاريخ الإسلامي.
ويذكر أبو عبد الله محمد ولد القاضي عياض أن الجد الأعلى للأسرة قدم من المشرق إلى المغرب ونزل بالقيروان وعاش فيها هو وبعض ولده، وكان لهم حضور بارز في هذه الحاضرة الأولى في الغرب الإسلامي نوه به شاعر يقول في مدحهم:
وكانت لهم بالقيروان مآثر *** عليها لمحض الحق آثار برهان.
ثم إنهم انتقلوا من القيروان إلى الأندلس ونزلوا بجهة بسطة BAZA التي تبعد 123 كيلومترا نحو الشمال الشرقي من مدينة غرناطة وذهب الزبيدي في تاج العروس إلى أن اليحصبيين ومنهم أجداد القاضي عياض نزلوا بالقلعة التي سميت يحصب وتسمى اليوم Alcala lareal على بعد ست مراحل في الشمال الغربي من مدينة غرناطة ومهما يكن الأمر فإن أجداد القاضي عياض قد انتقلوا من جديد من الأندلس إلى مدينة فاس حيث اشتهر فيها الحاج المجاهد عمرون بن موسى بن عياض الذي حج إحدى عشرة حجة وغزا مع المنصور ابن أبي عامر غزوات كثيرة، ولما كان الصراع بين الأمويين والعبيديين على المغرب ودخل هؤلاء إلى فاس انسحب منها وإليها الأموي عبد الملك ابن أ بي عامر آخذا معه بعض أبناء أعيان المدينة ومنهم أخوان للحاج عمرون جد القاضي عياض الذي انتقل من فاس إلى سبتة كي يكون قريبا من أخويه نزيلي قرطبة، وليكون بعيدا من العبيديين، وهكذا استحسن الحاج عمرون الذي كان غنيا موسرا مدينة سبتة فاشترى بها أرضا بنى فيها سكناه وبنى إلى جانبها مسجدا ودورا حبسها عليه وحبس باقي الأرض ليكون مقبرة وانقطع للعبادة في مسجده إلى أن توفي سنة 397 هـ .
وقد خلفه ولده عياض ثم ولد لعياض ابنه موسى ثم ولد لموسى ابنه عياض الذي سيكنى بأبي الفضل ويحلى بالقاضي، وأظن أن هذا الإرث العائلي بأطواره المكانية كان له تأثير في تكوين شخصيته الشمولية وثقافته المغاربية التي نلمسها بوجه خاص في تأليفه الشهير ترتيب المدارك ونعرفها كذلك من إحساس علماء إفريقيا والأندلس بها وإجلالهم لصاحبها.
مولده ونشأته
ولد عياض في منتصف شعبان عام 476 هـ (1083م) بمدينة سبتة في حضن أسرة كانت تعتز بما كان لها من ذكر في القيروان وبسطة وقلعة يحصب وفاس وبما بنته في سبتة من آثار، وفي السنة التي ولد فيها عياض استولى على سبتة المرابطون الذين ارتبط مصيره بمصيرهم وبعد ثلاث سنوات من ولادته كانت وقعة الزلاقة الشهيرة، وهكذا كان ميلاد القاضي عياض في ظرفية تاريخية سيبرز خلالها اسم المغرب ويذيع صيته وينتشر إشعاعه وينجب أعلاما من طبقة القاضي عياض. وقد كانت مدينة سبتة غداة ولادته أصبحت مركزا علميا لعله يفوق غيره في المغرب بحكم موقع المدينة على طريق الجهاد والحج والعلم، فظهر فيها عدد من شيوخ العلم الذين درس عليهم ومنهم القاضي أبو عبد الله محمد بن عيسى والقاضي أبو محمد عبد الله بن محمد بن منصور اللخمي والقاضي أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد البصري والخ ــ طيب أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد المعافري والفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن جعفر اللواتي المعروف بابن الفاسي وغيرهم، وقد عني والد عياض بتربيته وتعليمه فنشأ - كما يقول ولده محمد - على عفة وصيانة، مرضي الخلال، محمود الأقوال والأفعال، موصوفا بالنبل والفهم والحذق، طالبا للعلم، حريصا عليه مجتهدا فيه معظما عند الأشياخ من أهل العلم كثير المجالسة لهم والاختلاف إلى مجالسهم إلى أن برع أهل زمانه وساد جملة أقرانه.
شيوخه
وقد عرَّف َ بشيوخه في ترتيب المدارك وفي الغنية وسرد الأصول التي درسها عليهم، وهي أصول في مختلف العلوم الشرعية والأدبية، وكان يكفيه ما حصل من معارف على شيوخ بلده ولكنه تشوَّف إلى الحصول على إجازات علماء الأندلس، فعزم على الرحلة إليها، وكان قد بلغ ثلاثين سنة فرحل قاصدا قرطبة سنة 507 هـ (1113م) مصحوبا برسائل توصية من لدن أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين ورجال دولته، ومما جاء في رسالة أمير المسلمين إلى قاضي الجماعة ابن حمدين: "وفلان (يعني عياض) أعزه الله بتقواه، وأعانه على ما نواه، ممن له في العلم حظ وافر، ووجه سافر، وعنده دواوين أغفال، لم تفتح لها على الشيوخ أقفال، وقصد تلك الحضرة (يعني قرطبة) ليقيم أود َ متونها، ويعاني رمد عيونها، وله إلينا ماتة مرعية أوجبت الإشادة بذكره والاعتناء بأمره، وله عندنا مكانة حفية تقتضي مخاطبتك بخبره، وإنهاضك إلى قضاء وطره، وأنت إن شاء الله تسدد عمله، وتقرب أمله، وتصل أسباب العون له، إن شاء الله" . وكتب له الوزير أبو القاسم ابن الجد رسالة إلى ابن حمدين المذكور كما كتب له قاضي الجماعة بالمغرب أبو محمد ابن المنصور رسالة إلى الحافظ الغساني، وقد أمضى عياض أزيد من سبعة شهور في قرطبة أخذ فيها عن قاضي الجماعة ابن حمدين المذكور وأبي الوليد ابن رشد الجد وأبي عبد الله ابن الحاج وأبي بحر الأسدي وأبي محمد ابن عتاب وأبي الوليد العواد وأبي القاسم ابن بقي. وقد نص في فهرسته الغنية على ما رواه عن كل واحد من هؤلاء العلماء الأعلام. ثم إنه ترك قرطبة وتوجه إلى مدينة مرسية من أجل الرواية عن أشهر محدثي الأندلس يومئذ وهو الحافظ أبو علي الحسين ابن محمد الصدفي فوجده قد خرج إلى المرية واختفى بها فرارا من خطة القضاء التي أكِّد َ عليه في قبولها ونظرا لذلك أخذ عياض في البداية يقابل كتبه بأصول الحافظ أبي علي التي تركها في بيته ثم أعفي أبو علي من القضاء ورجع إلى مرسية فسمع عليه عياض كثيرا، وحصل له مسموع كثير في مدة يسيرة، وقد حصل على إجازات من علماء آخرين من أهل الأندلس وإفريقية ومصر والحجاز من أمثال ابن العربي وابن السيد البطليوسي والبازري والطرطوشي والسِّلفي، وقد بلغ عدد الذين سمع منهم أو أجازوه مائة شيخ عرف بهم في فهرسته التي سماها الغنية.
إجازته وتوليته للقضاء
ولما رجع إلى سبتة مزودا بإجازات هؤلاء الشيوخ عام 508 هـ (1115م) أجلسه أهل بلده للمناظرة عليه في المدونة وهو ابن اثنين وثلاثين عاما أو نحوها ومن المعروف أن المناظرة هي أرفع مستويات العلم كما أن المدونة هي أعلى مرجع في الفقه المالكي، وبعد هذا الاختبار النهائي رتِِّب في خطة الشورة ثم ولي القضاء بسبتة عام 515 هـ (1121م) وقد تحدث ولده عما قام به والده خلال توليه القضاء ببلده فذكر أنه "صار فيها أحسن سيرة وأقام جميع الحدود على ضروبها واختلاف أنواعها وبنى الزيادة الغربية في جامع سبتة وهي الزيادة التي كمل بها جماله وبنى بجبل الميناء الرابطة المشهور والطالع الكبير الذي يشتمل على حصنل لناظر الراتب به وقلهرة كبيرة لخزن المؤنة والسلاح مع مسجد بداخلها"، وقد كان لهذه الآثار المحمودة تأثير كبير لدى أهل سبتة وعظم بها جاه القاضي عياض وبعد َ صيته.
وقد يكون هذا أثار تخوف حماته المرابطين فولوه سنة 531 هـ (1136م) قاضيا لمدينة غرناطة التي كانت أثيرة عند المرابطين، وكان الوالي عليها يومئذ الأمير تاشفين ولد أمير المسلمين علي ابن يوسف ابن تاشفين وخليفته من بعده، ولسنا ندري هل كان ولد القاضي ينشد رضى الموحدين إذ يقول إن تاشفين ضاق ذرعا بالقاضي عياض وغص بموا قفته له في الحقائق وصد أصحابه عن الباطل وخد مته عن الظلم فسعى في صرفه عن قضاء غرناطة سنة 532هـ (1139م). وقد بقي القاضي عياض في سبتة مبعدا من الخطة إلى أن مات تاشفين فولاه ولده إبراهيم قضاء سبتة ثانية في آخر عام 539هـ (1145م) وقد ابتهج أهل بلده بعودته إلى القضاء، وسار فيهم ال سيرة التي عهدوا منه، ولعله قبِل هذه الولاية الثانية التي جاءته ودولة المرابطين في النزع الأخير حرصا على مصالح مدينته، وتختلف الروايات حول موقف القاضي عياض بعد نهاية المرابطين وقيام دولة الموحدين والرواية المعقولة أن أهل سبتة امتنعوا من الدخول في طاعة الموحدين وظل قاضيهم عياض يدبر أمر البلد ويسوس أهله إلى أن حاصر الموحدون سبتة ودخلو ها عام 543 هـ (1148م) فحمل القاضي عياض إلى مراكش وكان يوم أخذ إليها يودع أهل سبتة ويبكي ويقول: جعلني الله فداءكم، وذكر ولده إ ن أباه وصل إلى مراكش والحال متغيرة عليه، ولكنه لما اجتمع بعبد الم ومن كان منه من الكلام المنظوم والمنثور ما استعطفه به حتى رق له وعفا عنه وأمره بلزوم مجلسه وكان يسأله فيستحسن جوابه، وليس ببعيد على عبد المومن الذي كان على حظ غير يسير من العلم والحكمة أن يعفو عن عالم كبير وجد نفسه أمام وضع لا محيد عنه، وتذكر هذه الرواية أن عبد المومن اصطحب القاضي لما خرج مرة من مراكش فمرض في الطريق، وأذ ن له بالعودة إلى مراكش حيث توفي في منتصف ليلة الجمعة التاسعة من جمادى الآخرة من عام 544 هـ (1149م).
شهادة أبي الفضل عياض
تحدث ولد القاضي عياض عن ثقافة والده - وكان أعرف الناس به وأقربهم إليه وأوثقهم وأصدقهم - قال: " كان من حفاظ كتاب الله تعالى والقيام عليه لا يترك التلاوة له على كل حالة مع القراءة الحسنة المستعذبة والصوت الجهير والحظ الوافر من تفسيره والقيام على معانيه وإعرابه وشواهده وأحكامه وجميع أنواع علومه وكان من أئمة وقته في الحديث وفقهه وغريبه ومشكله ومختلفه وصحيحه وسقيمه وعلله وحفظ رجاله ومتونه وجميع أنواع علومه وكان أصوليا متكلما لا يرى الكلام في ذلك إلا عند نازلة فقيها حافظا لمختصر ابن أبي زيد ومدونة سحنون قائما عليها حاذقا بتخريج الحديث من مفهومها عاقدا للشروط بصيرا بالفتيا والأحكام والنوازل نحويا ريانا من الأدب شاعرا مجيدا يتصرف في نظمه أحسن تصرف ويستعمل في شعره الغرائب من صناعة الشعر مليح القلم من أكتب أهل زمانه خطيبا فصيحا حسن الإيراد. لا يخطب إلا بما يصنع، خطبته فصيحة ذات رونق عذبة الألفاظ سهلة المأخذ حافظا للغة والأغربة والشعر والمثل وأخبار الناس ومذاهب الأمم عارفا بأخبار الملوك وتنقل الدول وأيام العرب وسيرها وحروبها ومقاتل فرسانها ذاكرا لأخبار الصالحين وسيرهم وأخبار الصوفية ومذاهبهم مشاركا في جميع العلوم".
وقد وصف بعد هذا حاله وخصاله فقال: إنه كان "حسن المجلس كثير الحكاية والخبر ممتع المحضر عذب الكلام مليح المنطق نبيل النادرة حلو الدعابة لين الجانب صبورا حليما موطأ الأكناف جميل العشرة حسن الأخلاق بسَّاما يكره الإطراء والإفراط في التصنع منه وله ، لا يستسهل التكليف للناس والتحامل عليهم منصفا من نفسه منصفا لأهل العلم، محبا في طلبة العلم، محرضا لهم على طلبه، مسهلا ً لهم الطرائق مبادرا ً لقضاء الحوائج، صغير النفس غير متكبر، جوادا سمحا من أكرم أهل زمانه كثير الصدقة والمواساة عاملا مجتهدا صواما قواما، يقوم ثلث الليل الآخر لجزء من القرآن. لم يترك ذلك قط عل أية حالة حتى يغلب عليه، متديِّنا متورعا، متواضعا متشرعا، كثير المطالعة، لا يفارق كتبه، كثير البحث على العلم، توفي وهو طالب له،حسن الضبط صحيح النقل قوي الخط دقيقه، من أقدر الناس على تقييد الروايات وجمعها، كثير التواليف المستحسنة البارعة في أنواع العلوم هينا لينا من غير ضعف صلبا في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان يأخذ أموره بالملاطفة والسياسة ما أمكنه ويحل الأمور كذلك ما استطاع وإلا َّ تقوى، وكان يلاطف الأمراء فإن امتنعوا من الحق تقوى عليهم غير هيوب لهم مقداما عليهم في صدهم عن الباطل واستقضاء حوائج الرعية عندهم محببا في قلوب العامة والخاصة بعيد الصِّيت جميل الوجه طيب الرائحة نظيف الملبس باهي المركب" وقول ُ ولد ِ القاضي عياض إن والده كان محببا في قلوب العامة والخاصة نجد مصداقا له فيما وقع بسبتة عندما وصل إليها يوسف بن مخلوف واليا عليها من قبل عبد المومن فقد صرخ صارخ أن واليهم عزم على قتل قاضيهم الإمام العالم أبي الفضل عياض فهاج البلد وماج وأعلن أهل سبتة الثورة على الموحدين وقتلوا الوالي ومن كان معه.
تآليفه
لقد ترك القاضي عياض رحمه الله ولدا كان برا بوالده فعرَّ ف به وقام على تخريج بعض تراثه العلمي وحمل راية القضاء من بعده، وكان استمرارا لنسله، وترك القاضي أيضا أزيد من 30 تأليفاً معظمها من التآليف الكبيرة الحجم الكثيرة العلم، ومن أشهرها ما وصل إلينا منها ترتيب المدارك ومشارق الأ نوار والتنبيهات وإكمال المعلم والإ لماع والغنية وبغية الرائد والإعلام بحدود قواعد الإسلام والشفا، بتعريف حقوق المصطفى.
كتاب الشفا
ويعتبر كتاب الشفاء أشهر تآليف القاضي عياض وأكثرها ذكرا وانتشارا وقد رزق من الحظوة والشهرة والسر ِّ والبركة وحسن القبول لدى الخواص والعوام ما لم يرزقه أي تأليف مغربي آخر، وفي الثناء عليه يقول ابن فرحون أحد أعلام المالكية: أبدع فيه عياض كل َّ الإبداع، وسلم له أكفاؤه كفاءته فيه، ولم ينازعه أحد في الانفراد به، ولا أنكروا مزية السبق إليه، بل تشوفوا للوقوف عليه، وأنصفوا في الاستفادة منه، فحمله الناس وطارت نسخه شرقا وغربا، وقد تحدث الأستاذ المرحوم محمد المنوني حديث الباحث الصبور عن كتاب الشفا من خلال رواياته ورواته مثلما فعل في بحث آخر عن صحيح البخاري في الدراسات المغربية، ومن المعروف أن عامة المغاربة يقرنون بين الكتابين في تعظيم مكانتهما والتبرك والاستشفاء بهما ومما قاله بعضهم في كتاب الشفا:
ما كتاب الشفا إلا شفاء *** للقلوب المراض والأجساد
عناية العلماء بكتاب "الشفا
"
وقد جمع أحمد المقري في أزهار الرياض ما قاله علماء من المغرب والمشرق في مدح هذا الكتاب المبارك ولم يشذ عنهم إلا الشيخ تقي الدين ابن تيمية الذي ينسب إليه أنه قال لما قرأ الشفا: غلا هذا المغربي، ورد عليه الفقيه ابن عرفة وغيره، وذكر المقر ي كذلك الذين عنوا بشرح الشفا أو التعليق عليه، ومن ذلك كله ندرك الخصوصية التي امتاز بها من بين التآليف العديدة التي ألفت في السيرة ومنها كتب أعلام النبوة وكتب دلائل النبوة، وفي هذا قال بعضهم:
كلهم حاول الدواء ولكن *** ما أتى بالشفاء إلا عياض
ويقول أحمد المقر ي: "ولا يمتري من سمع كلامه العذب السهل المنور في وصف النبي صلى الله عليه وسلم أو و صف إعجاز القرآن أن تلك نفحات ربانية ومنحة صمدانية خص الله بها هذا الإمام وحلاه بدرها النظيم، "ذلك فضل الله يوتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم" وقد ورد في كتاب النجم الثاقب لابن صعد التلمساني أن بعض الصالحين قال رأيت القاضي أبا الفضل بعد موته في المنام وهو في قصر عظيم جالس على سرير قوائمه من ذهب قال: فكان يسألني عن مسألة فأقول له:يا سيدي ذكرت فيها في كتابك الموسوم بالشفا كيت وكيت، قال: فكان يقول لي: أعندك ذلك الكتاب؟ فأقول له: نعم. فيقول ليشد َّ يدك عليه ، فبه نفعني الله وأعطاني ما تراه" ومن الكلمات السائرة مسير الأمثال لدى المغاربة قولهم: لولا عياض ما ذكر المغرب، وقال آخرون: لولا الشفا لما ذكر عياض، وهذا هو الذي عبر عنه العا ر ف الحلفاوي في كتابه شمس المعرفة بقوله: " قال العلماء من أهل الرسوم لولا عياض ما ذكر المغرب، وقال أهل الفهوم: لولا الشفا ما ذكر عياض بين الرسوم، لأن غيره قد ألف أكثر من تواليفه وهو مع ذلك غير معلوم".
من بركات كتاب "الشفا
"
ومما يعد من بركات الشفا على القاضي ظهور قبره سنة 712 هـ بعد عملية نبش أظهرت علامة القبر وتاريخه بعد أن ظل زمنا مختفيا ففرح الفقهاء بذلك وبنى عليه قاضي مراكش يومئذ أبو إسحاق ابن الصباغ قبة عظيمة ذات أربعة أوجه وألزم الفقهاء بالتردد إلى هناك لتلاوة القرآن ليشتهر القبر، ونظن أن الدولة المرينية التي وضعت حدا لإيديولوجية الموحدين كانت وراء الاهتمام بإظهار وبناء ضريح القاضي عياض وغيره ممن اضطهدوا في العهد الموحدي كأبي إسحاق البلفيقي المعروف عند العامة بسيدي إسحاق، وقد أصبح ضريح القاضي عياض منذ يومئذ من المزارات التي يتبرك بزيارتها الملوك وغيرهم فقد زاره السلطان أبو الحسن المريني كما في المسند لابن مرزوق، ولعل أبا الحسن هذا هو الذي أشار على كاتبه ابن مرزوق المذكور بشرح الشفاء الذي افتتح بطائفة من القصائد في مدح الشفا وعياض استدعاها ابن مرزوق من شعراء المغرب والأندلس يومئذ، وقد حبس أبو عنان بعد هذا أحباسا على قراءة الشفا بمساجد فاس، واستمرت العناية بالشفا طوال العهد المريني وعهد بني وطاس، وغدا سلاحا روحيا في أيامهم التي تكالب فيها البرتغاليون على سواحل المغرب. أما ضريح القاضي عياض فقد عراه شيء من قلة التعهد خلال الصراع بين الوطاسيين والسعديين إلى أن أحياه هؤلاء على يد الولي الصالح الحاج سيدي الفلاح الذي دفن إلى جانب القاضي وجدد القبة تلميذ الفلاح سيدي عبد الله الكوش، وفي بداية الدولة العلوية بنى المولى الرشيد قبة تلقاء ضريح القاضي عياض عل ى مولاي علي الشريف جد الملوك العلويين.
وحوالي هذا التاريخ رسم القاضي عياض ضمن سبعة رجال وقد صنف الثاني في ترتيب الزيارة المعمول بها منذ بداية الدولة العلوية إلى الآن، ومما يدل على مكانة الضريح لدى الخاصة والعامة ما حكاه أبو عبد الله محمد بن مبارك قال: "لما قد ِ م أبو علي اليوسي لزيارة ضريح عياض في حدود المائة وألف عرض له جيران ضريحه فقالوا: نريد معرفة حد حرم أبي الفضل فقال لهم: المغرب كله حرم لأبي الفضل .
كتاب الشفا بعد وفاة صاحبه
ولا بأس أن أشير في آخر هذا التقديم إلى أن سبتة السليبة عرفت بعد مدة من وفاة عياض وربما بتأثير كتاب الشفا الاحتفال لأول مرة في الغرب الإسلامي بالمولد النبوي الشريف على يد العزفيين الذين أصبحوا يومئذ في سبتة مثل العياضيين في زمنهم، وقد قدم الفقيه أبو القاسم العزفي مؤلف كتاب الدر المنظم في مولد النبي المعظم كتابه هذا إلى الخليفة المرتضى الموحّدي وأشار عليه بإحياء ليلة المولد فقام بذلك وحذا حذ وه بنو عبد الواد في تلمسان وبنوال أ حمر في غرناطة واستمر العمل بذلك إلى يومنا هذا .
ونتبرك في الأخير بالدعاء الوارد في آخر الشفا: "وإلى الله تعالى جزيل الضراعة والمنة بقبول ما منه لوجهه والعفو عما تخلله من تزين وتصنع لغيره و أن يهب لنا ذلك بجميل كرمه وعفوه. لما أودعناه من شرف مصطفاه وأمين وحيه، وأسهرنا به جفوننا لتتبع فضائله، وأعملنا فيه خواطرنا من إبراز خصائصه ووسائله ويحمي أعراضنا عن ناره الموقدة لحمايتنا كريم عرضه، ويجعلنا ممن لا يذاد إذا ذيد المبدل عن حوضه ويجعله لنا ولمن تهمم باكتتابه واكتسابه سبباً يصلنا بأسبابه، وذخيرة ً نجدها يوم تجد كل نفس ٍ ما عملت من خير ٍ محضرا نحوز بها رضاه وجزيل َ ثوابه وتحصنا ً بخص ِّ يصيزم َ رهنبينا وجماعته، ويحشرنا في الرعيل الأول وأهل الباب الأيمن من أهل شفاعته، ونحمده تعالى على ما هدى إليه من جمعه وألهم ، وفتح البصيرة لدرك حقائق ما أودعناه وفهم ونستعيده جل اسمه من دعاء لا يسمع، وعلم لا ينفع، وعمل لا يرفع فهو الجواد الذي لا يخيب من أمله، ولا ينتصر من خذله، ولا يرد دعوة القاصدين، ولا يصلح عمل المفسدين، وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلاته وسلامه على سيدنا ونبينا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين".
لسان الدين بن الخطيب
يعد لسان الدين ابن الخطيب أحد أشهر علماء الأندلس ومنظريها. ذاع صيته في ميدان الأدب والتاريخ والتراجم والسير والطب. ألف العديد من الكتب سيما في مجال الطب..
نسبه ونشأته
هو لسان الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد بن عبد الله السلماني، نسبة إلى (سلمان) موضع باليمن، ومنه قدم أهله إلى الأندلس عقب الفتح الإسلامي ليستقروا هناك. ولد ابن الخطيب سنة (713هـ) في مدينة "لوشة" غرب غرناطة، وبها نشأ ودرس مختلف العلوم كالأدب واللغة والفقه والطب على يد كبار علمائها. فاستفاد من مختلف تلك التخصصات، فتوفرت له معرفة واسعة. بعد وفاة والده سنة (741هـ) تولى الكتابة في ديوان الإنشاء خلفا له، كما تولى الوزارة سنة (749هـ) خلفا لأبي الحسن بن الجياب، وكان وزيرا للسلطان "أبي الحجاج يوسف". واستمر ابن الخطيب في الوزارة بعد مقتل أبي الحجاج سنة (755هـ)، وقيام ابنه محمد الغني بالله خلفا له.
لما ضعفت بلاد الأندلس وتكالبت عليها جيوش ملك قشتالة، سافر إلى أبي عنان فارس السلطان المريني للاستنجاد به لمقاومة الزحف القشتالي، ونجح لسان الدين في مهمته، فرفعت رتبته وقيمته فلقب بذي الوزارتين: الكتابة والوزارة. لما خلع الغني بالله سنة (760هـ)، فر إلى فاس لاحقا بالسلطان المخلوع، ولما تمكن من العودة إلى الحكم، استدعاه من فاس، ورده إلى الوزارة، وأعاد تلقيبه بذي الوزارتين، فعظم نفوذه.
محنة ابن الخطيب
مؤلفات ابن الخطيب
كان ابن الخطيب عالما بالطب والتاريخ والفلسفة، كما كان عالما بالفقه والأصول. ومن مؤلفاته:
"الإحاطة في أخبار غرناطة" و"اللمحة البدرية في الدولة النصرية"، و"تاريخ ملوك غرناطة" إلى سنة 765/هـ"، و"رفة العصر في دولة بني نصر"،و"عيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار"، و"الحلل المرقومة في اللمع المنظومة"؛ وهي أرجوزة من ألف بيت في أصول الفقه، و كتاب "عمل مَنْ طَبّ لمن حَبّ" في الطب. ألفه لسلطان المغرب أبي سالم بن أبي الحسن المريني. وعلى اسمه صنف المؤرخ أحمد بن محمد المقري (ت: 1041/هـ) كتابه "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب".
للمزيد يراجع:
- الاستقصا، للناصري، ج2/ 132
- نفح الطيب، للمقري، ج7/ 46
- دائرة المعارف الإسلامية المعربة ( ابن الخطيب )
هذه المكانة الرفيعة التي تبوأها ابن الخطيب أثارت ضغينة الحاقدين، فأخذوا يتآمرون عليه. ومع ازدياد الضغط عليه فر إلى مدينة فاس لاجئا إلى السلطان المريني أبي فارس عبد العزيز المستنصر بن أبي الحسن علي.. اتهم ابن الخطيب بالإلحاد والزندقة والطعن بالنبي صلى الله عليه وسلم، بسبب بعض ما جاء في كتابه "روضة التعريف بالحب الشريف" المعروف بكتاب "المحبة" فأجريت له محاكمة غيابية في غرناطة بحضور كبار العلماء والفقهاء. وتم حرق كتبه بمحضر من الفقهاء والعلماء والمدرسين. وما زال الخصم يطارده ويطالبه حتى دس عليه الوزير سليمان بن داود بعض أتباعه فدخلوا عليه في سجنه وقتلوه خنقا في أوائل سنة( 776/هـ).
النمو الديموغرافي بالمغرب
الماضي الديمغرافي لسكان المغرب
ظلت أعداد الساكنة المغربية مستقرة حتى بداية القرن 20 بمجموع يتراوح ما بين 5 و6م نسمة، وتطورت أعداد الساكنة بشكل بطيء لذلك ظلت طبيعة النمو الديمغرافي "بدائية"، مطبوعة بمعدلات ولادة ومعدلات وفاة مرتفعة..
وقد كان لفترات الكوارث والجفاف والمجاعات والأوبئة التي ضربت البلاد دور في انخفاض نسبي لعدد السكان خاصة في نهاية القرن 19م. وفي المجموع حوالي سنة 1900 قدرت الساكنة بـ 5 إلى 5,5 م ن.
وعلى مستوى آخر، يمكن تسجيل أنه خلال فترة الحماية الفرنسية والاسبانية، بلغ عدد الأجانب حوالي 400 ألف نسمة ( سنة 1956) : غالبية فرنسية وجزائرية وإسبانية وقدر في المقابل عدد اليهود ب 218000 سنة 1954. ومع استقلال المغرب تراجع عدد الأجانب وكذا اليهود إلى 111900 أجنبي سنة 1971 و 45000 نسمة سنة 1994 و 47 % منهم من أصول عربية ومغاربية. وتراجع عدد اليهود المغاربة إلى 31000 نسمة سنة 1971 وإلى 2000 نسمة فقط حاليا، وذلك نتيجة الهجرة نحو أوربا وكندا وإسرائيل.
التحول الديمغرافي المعاصر
تضاعفت الساكنة المغربية 5 مرات ما بين 1900 و 2000 حيث انتقلت من 6 إلى 29 مليون نسمة. و بفعل الانفجار الديمغرافي غير المسبوق خاصة بعد الاستقلال، والذي استمر إلى منتصف الثمانينات، فمعدل التزايد السنوي للسكان بقي مرتفعا : كان أقل من 1% في بداية القرن، ثم ارتفع ليصل إلى معدل % 2,8 ما بين 1960 و 1971.
انطلاقا من الثمانينات، عرف النمو الديمغرافي فترة تحول واضحة وسريعة حيث تراجعت الولادات خاصة في الوسط الحضري، و حاليا لا يتعدى معدل التزايد 1,4% .
وعلى مستوى آخر، وفي نفس السياق، عرف المغرب فترة تمدين سريعة : فالساكنة الحضرية التي كانت تشكل 29,2% سنة 1960 انتقلت لتمثل 56% سنة 2002، وأثر ذلك على البنايات الاقتصادية والاجتماعية وخاصة ظاهرة الهجرة القروية، كما أن تحول بعض المراكز القروية إداريا إلى مدن ساهم في تسارع وتيرة التمدين.
الساكنة القروية والساكنة الحضرية
إذن فتراجع الوفيات ومعدلات الخصوبة منذ الاستقلال من السمات التي تطبع ديمغرافية المغرب حاليا : فمعدل الوفيات انتقل من 1,9% سنة 1962 إلى 0,6% سنة 2000 وهذا التراجع ارتبط بانخفاض في نسبة وفيات الأطفال حيث انتقل من 14,9% سنة 1962 إلى 3,6% سنة 1997 وارتبط تراجع الوفيات بالتحسن الذي عرفته ظروف الوقاية الصحية، وبالخصوص الولوج إلى الخدمات الصحية وكذا حماية صحة الأطفال، وموازاة لذلك ازداد أمد الحياة، حيث انتقل من 47 سنة 1960 إلى 73 سنة 2003.
البنية وتوزيع السكان
* البنية حسب الجنس: تضم الساكنة المغربية تقريبا عدداً مماثلاً من الرجال والنساء لكن معدل الذكورة (عدد الرجال بالنسبة لكل 100 مرأة) يتفاوت حسب السن ومكان الاقامة فبسبب ارتفاع معدلات الوفيات في صفوف الرجال، نجد بالنسبة للذين تتعدى أعمارهم 60 سنة معدل الذكورة يصل إلى 86,1 في الوسط الحضري و101,6 بالنسبة للوسط القروي، وهذا المؤشر الأخير يسجل معدلات الأنوثة المرتبطة بالهجرة القروية.
* البنية حسب السن: الساكنة المغربية شابة، لكن يلاحظ تراجع لهذه الفئة في الآونة الأخيرة بالنسبة لمجموع السكان ارتباطا بالتحولات الديمغرافية التي يعرفها المغرب فثلث المغاربة تقل أعمارهم عن 15 سنة (مقابل 44,4% سنة 1960) أما الساكنة التي يتجاوز عمرها 60 سنة فقد ارتفعت من نسبة 4% سنة 1960 إلى 8% اليوم.
* بنية الساكنة النشيطة: معدل الساكنة النشيطة ( 15-59 سنة) جد مرتفع ( 56% ) والمعدل الخام للنشاط انتقل من 26,6% سنة 1982 إلى 38% سنة 1994. أما معدل البطالة فمتفاوت حسب عدة معطيات، حيث يتراوح ما بين 16% و 20% وهو أكبر في صفوف الشباب (من 15 إلى 24 سنة). ومن التحديات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى التي يواجهها المغرب مشكل الشغل.
* بالنسبة لتوزيع السكان : بمساحة تقدر ب 711000 كلم2 و29 مليون نسمة، يعرف المغرب كثافة متوسطة تحوم حول معدل 40 نسمة/كلم2. وتوزيع السكان على مستوى المجال يعرف تباينا حيث التفاوت الكبير بين المناطق جنوب السلسلة الأطلسية والمناطق الشمالية الغربية التي تعرف تمركزا سكانيا مهما خاصة الساكنة الحضرية منها. والكثافة الكبرى مركزة على الساحل الأطلسي بين طنجة وأكادير( خاصة محور الدار البيضاء القنيطرة حيث تتراوح الكثافة حوالي 1000 نسمة/كلم2)، وكذا في المغرب الداخلي مناطق مكناس، فاس، مراكش.
الحركية الجغرافية للساكنة
دخل المغرب في تحولات اجتماعية، مجالية ذات أبعاد كبيرة منذ الاحتلال الفرنسي الاسباني، فاختلال التوازن على مستوى البنيات التقليدية في مجال الفلاحة والحرف، ارتبط كذلك بالتحولات على مستوى الديمغرافي (مثلا التباين بين السهول والجبال ؛ والساحل والداخل؛ بين المدن والأرياف، بين المغرب " النافع" والمغرب "غير النافع").
وما يفسر أصول الحركية الأفقية الكبرى للسكان كون هذه الهجرات ترتبط أساسا بعوامل اقتصادية وكذا اعتبارات أخرى معقدة : البحث عن الشغل، احتياجات دراسية، البحث عن ظروف أحسن. ويمكن تسجيل على سبيل المثال أنه بسبب أشغال التهيئة الفلاحية العصرية صارت الهجرة بين مختلف المناطق القروية كثيفة (مثال في اتجاه الدوائر السقوية الكبرى ومجالات المزروعات التسويقية) ولكن الهجرة نحو المدن هي الظاهرة الملفتة للانتباه.
فعدد المهاجرين القرويين نحو المدن انتقل من 45 ألف سنويا في الخمسينات إلى 113000 شخص سنويا خلال السبعينات و 195000 بين 1982 و2002. أما الهجرة الخارجية فهي واجهة أخرى لحركية سكان المغرب إذ تهم حاليا حوالي 3 مليون مغربي (مقابل 11 م سنة 1984).
انطلقت هذه الهجرة مبكرا حيث كانت احتياجات الميتروبول لليد العاملة الرخيصة لتعمل في القطاع الفلاحي وكذا قطاع المعادن. انطلاقا من 1960 و أمام التطور الاقتصادي القوي لدول أوروبا الغربيبة وأمام التحدي المزمن للخصاص في اليد العاملة وقعت عدة بروتوكولات تتعلق بالهجرة القانونية. فبين 1962 و 1974، نجد 300000 عامل مغربي اتجهوا نحو أوربا وبشكل رئيسي نحو فرنسا وكذا و بلجيكا وهولندا.
ومند 1975 تنامت السياسات الرسمية الراغبة في الحد من الهجرة . لكنها أعطت نتائج عكسية عما هو متوقع. حيث تقوت هذه الهجرة بسبب مظاهر التجمع العائلي وكذا الهجرة السرية. كما طالت الهجرة العنصر الشاب والعنصر النسوي.
وتعددت وجهات المهاجرين سواء نحو دول جنوب أوروبا كإيطاليا واسبانيا أو نحو حدود أخرى ككندا والولايات المتحدة الأمريكية. وفي الوقت الراهن صارت الهجرة أشمل العناصر المؤهلة وذات كفاءات عالية (هجرة الأدمغة).
الآفاق الديموغرافية
في أفق 2010 سيصل عدد سكان المغرب إلى 33 مليون نسمة بمعدل سنوي للزيادة يصل إلى 1,6% بالنسبة لفترة 1994- 2010 مقابل 2,06% لفترة 1982- 1994 . وانخفاض معدلات الخصوبة سيستمر : فمؤشر الخصوبة سيتراوح ما بين 2,2 طفل بالنسبة للمرأة الواحدة ( 1,96 في الوسط الحضري) ورغم هذا التراجع، فإن الساكنة ستستمر في الارتفاع عموما بمعدل 455000 نسمة سنويا خلال هذه الفترة. سيتراجع في أفق 2050 المعدل إلى طفلين فقط للأنثى الواحدة و هو الحد الأدنى لضمان تجدد الأجيال. وهذا ما سيؤدي إلى استقرار ساكنة المغرب في حدود 45 مليون نسمة.
اعتبارا لانخفاض الولادات، فإن نسبة الأطفال الذين يقل عمرهم عن 15 سنة ستتراجع من 37% سنة 1994 إلى 26,6% سنة 2010. بينما من 15 إلى 19 سنة سترتفع لتصل إلى 65,2% مقابل 56% سنة 1994 في نفس الوقت الذين يزيد عمرهم عن 60 سنة سيمثلون 8,2 % مقابل 7,1% . سيصل استمرار التمدين إلى 62,3% بدل 51,2% و ستنتقل الساكنة الحضرية من 13,3 مليون نسمة سنة 1994 إلى 20,7 سنة 2010 بمعدل نمو يصل 2,8% سنويا، وهذا سيصاحبه انعكاسات على مستوى توفير مناصب الشغل والخدمات الاجتماعية.
المغرب:الجغرافيا الطبيعية
نظرا لموقعه في أقصى الشمال الغربي لإفريقيا، يرتبط المغرب تقليديا بمجموعة الشمال الإفريقي المسماة بالمغرب العربي. الذي هو مجال محدد بالبحر الأبيض المتوسط شمالا و المحيط الأطلسي غربا و الصحراء من الجنوب و الجنوب الشرقي .
و يستفيد المغرب من قربه من أوروبا الغربية التي لا يفصله عنها سوى مضيق جبل طارق. مما يمنحه وضعية متميزة تساهم في أن تجعل منه بلدا كثير التنوع وقوي التناقضات كما هو الشأن بالنسبة لامتداده العرضي الكبير وواجهاته البحرية الطويلة ( حوالي 3000 كلم على المحيط و 500 كلم على البحر المتوسط) و تضاريسه المتباينة، حيث الجبال تحتل مكانة هامة، وكذلك تاريخه الغني و ساكنته المتنوعة، و روافد ه الثقافية الآتية من جميع القارات.
الوسط الطبيعي
كثيرا ما سمي المغرب بلد التناقضات، و تتأكد هذه الملاحظة أكثر من أي مجال آخر على وسطه الطبيعي، فبين القمم الثلجية العالية للسلسلة الأطلسية (و التي تتجاوز غالبا 3500م) والامتدادات الواسعة للسهول و الهضاب، أو الأحواض التي تسود على السطح ؛ وبين المنظومات البيئية الجافة والصحراوية حيث الإنتاجية البيولوجية محدودة وبين تلك التي تزخر بغابات متنوعة، تظهر اختلافات جذرية.
التضاريس و الجيولوجيا
تغطي السلاسل الجبلية الممتدة من الشرق إلى الغرب على مسافة 500 كلم أكثر من 5/1 المساحة، وهي على هذا الأساس تعتبر عاملا أساسيا في تشكيل المنظر العام للبلاد. و يتعلق الأمر بسلسلة الريف في الشمال، ومجموع الهضبة الوسطى العليا و الأطلس المتوسط و الأطلس الكبير في الوسط ، و سلسلة الأطلس الصغير في الجنوب، ناهيك عن المرتفعات المعزولة لكبدانة وبني يزناسن وجرادة و الجبيلات و تلال ما قبل الريف (ومنها زرهون). وتفسر سيادة الصخور الصلبة كالكلس و الحث الطابع الوعر والانحدارات القوية التي تميز هذه الجبال.
* في الشمال تمتد جبال الريف من المحيط الأطلسي غربا إلى جهة ملوية السفلى شرقا ، وتشرف هذه الجبال على البحر المتوسط بساحل صخري يظهر على هيئة قوس. (جبل تدغين 2456م) لكنها منحدرة جدا حيث الأودية المتعمقة و الانحدارات الصعبة تعطي انطباعا واضحا بوجود جبال عالية.
* الأطلس الكبير والمتوسط يمثلان سلسلتين كبيرتين ذات ارتفاع أكبر ( 4165 م بجبل تبقال) و يظهر عليهما النتوع الشديد: فالتضاريس العالية، و الأودية الضيقة و العميقة للجزء الغربي والأوسط للأطلس الكبير تختلف عن مثيلتها في القسم الشرقي، وغالبية هذه الجبال تتسم بخاصية ثابتة هي كونهاغنية بالمياه وتحمل غطاء نباتيا أكثر كثافة ( تغلب فيه الغابة ) .
* يتميز الأطلس الصغير عن باقي جبال الأطلس بطبيعة جباله التي تسود فيها صخور ما قبل الكمبري والزمن الجيولوجي الأول ومناظره المفتوحة التي تشرف عليها أعراف يوحي اصطفافها بنموذج التكوين الأبلاشي .
أما خارج هذه السلاسل الجبلية، فتشغل السهول والهضاب و الأحواض معظم الأراضي. و يتكون المغرب الأطلسي من السهول والهضاب الساحلية الأطلسية (الغرب، الشاوية، دكالة، عبدة ) أو الداخلية ( تادلة، الحوز، الهضبة الوسطى، الرحامنة، الكنتور، هضبة الفوسفاط).
وفي شرق الأطلس المتوسط، تضم الجهة الشرقية سهولا متوسطية مثل سهل ( طريفة) أ وداخلية ( كما ممر وجدة و تاوريرت وحوض كرسيف) . وبعيدا عن الساحل المتوسطي نجد الهضاب العليا الجافة لتندرارة وامتداداتها المطبوعة بقساوتها والتي تجعلها مهيأة لأنشطة رعوية .
أخيرا ، في الجنوب والجنوب الشرقي ، يمتد المجال ما قبل الصحراوي و الصحراوي المكون من سهول وهضاب تشرف عليها أحيانا أعراف طولية أو مرتفعات. يتعلق الأمر هنا بوسط جاف وصعب تسود فيه درجة الحرارة المفرطة، وندرة المياه ، و بالتالي هزالة الغطاء النباتي .
ومن وجهة نظر جيولوجية ، تتواجد بالمغرب تكوينات قديمة ( تنتمي إلى ما قبل الكمبري، والزمن الجيولوجي الأول) ومجالات تحمل طفوحات بركانية، وسهولا وهضابا وأحواضا ذات صخور رسوبية، وسهولا واسعة مغطاة بإرسابات نهرية حديثة.
* وينتمي الجزء الجنوبي إلى ما قبل الكمبري والزمن الجيولوجي الأول : وهو يبتدئ من الحدث الجنوب – الأطلسي ( ذي الإتجاه غربي –شرقي، من المحيط الأطلسي عند أكادير إلى الحدود مع الجزائر) . وتغطي هذه الصخور الأطلس الصغير وجوانبه و الحمادات الجنوبية الشرقية والجنوبية و كذا مجموع الصحراء الأطلسية. و تسود الصخور الصلبة ( مثل الكرانيت، والريوليت) أو الرسوبية المتحولة.
وهذه المجموعات كسيت بإرساب ( سميك) باليوزويكي : كلس الأطلس الصغير، غرين و كوارتزيت جبل بني والورقزيز،شيست الممرات العريضة للأطلس الصغير ،ثم الإرسابات البحرية والقارية للحمادات.
* و يضم الجزء الأوسط مجموعة من السهول و الهضاب. ويتعلق الأمر هنا بسطوح متطورة للتعرية ، تنتمي إلى ما تحت الترياسي، فقاعدة الزمن الجيولوجي الأول، بقيت قارة ولكنها أصيبت أحيانا بتحدبات على مسافات شاسعة أدت إلى ظهور كتل قديمة، وأحواض رسوبية شاسعة مكسوة بغطاءات صخرية قليلة السمك ( كهضبة الفوسفاط)، وتكون الصخور الرسوبية غالبية هذه الكتل الهرسينية.
* ويتشكل المجال الأطلسي الجبلي من صخور الزمن الجيولوجي الثاني خاصة الكلس التي خضعت لطي عنيف، وانكسرت ورفعت في الزمن الجيولوجي الثالث.
ويكون الغطاء الملتوي في اللياسي والجوراسي الكلسي أساس هذه الجبال الأطلسية ويميزها عن تلك التي تظهر هيئتها مسطحة في الأطلس المتوسط الغربي .
وأخيرا المجال الريفي في الشمال هو نتاج التواء عنيف على شكل طيات زاحفة نقلت الصخور الرسوبية المنتمية للزمن الجيولوجي الثاني وبداية الثالث حيث تسود مواد لينة فتزحزحت نحو الجنوب منتجة تضاريس وعرة قوية التناقضات.
المناخ
بالنظر إلى موقعه الجغرافي على خطوط العرض، وكذا على الواجهة الغربية للقارة، ينتمي المغرب إلى مجال المناخ شبه المداري ذي الإيقاع المتوسطي الواضح، حيث تهطل الأمطار ما بين نهاية فصل الخريف و بداية فصل الربيع، بينما من ماي إلى شتنبر تسود درجات الحرارة المرتفعة و الجفاف.
وبالنظر كذلك إلى تنوع تضاريسه و بفعل وجود أو عدم وجود التأثيرات البحرية، فمناخات المغرب جد متنوعة، لكن تتسم الإيقاعات الخاصة للفصول بتساقطات تتركز في الأشهر الباردة أو الرطبة في السنة (من نهاية الخريف إلى منتصف الربيع)، بينما تتسم باقي السنة بالحرارة والجفاف. فالمتوسطات السنوية للتساقطات تتراوح بين 25 ملم في الصحراء و 1200ملم في الريف الأمر الدى يعني وجود تباينات واسعة من منطقة لأخرى.
وإذا إعتبرنا التصنيف البيومناخي لأمبرجي AMBERGER فإننا نلاحظ أن جميع النطاقات البيومناخية ممثلة في المغرب : مناخ جبلي، رطب، شبه رطب، شبه جاف، جاف، صحراوي، بكافة الأنواع الحرارية من شتاء بارد إلى رطب إلى معتدل إلى حار. وحوالي80 % من التراب الوطني ينتمي للمجال الجاف والصحراوي ،بينما 14 % تنتمي للمجال شبه الجاف و6 % فقط للمجالين شبه الرطب والرطب.
وعلى مستوى آخر تتسم التساقطات بعدم انتظامها الكبير، مما ينجم عنه عواقب حاسمة على أنماط العيش التقليدية السابقة أوالحالية .فالجفاف الفصلي بل الفيضانات الفجائية كظواهر قصوى تلاحظ بشكل متكرر. وعلى هذا الأساس فإن المناخ يخيم عليه عنصر المجازفة وعدم اليقين الأمر الذي يتوجب أخذه بعين الاعتبار سواء في الإستراتيجيات التقليدية للتكيف أو في كل سيرورة للتنمية.
منذ بداية القرن العشرين عرف المغرب تعاقب فترات تساقطات هامة وأخرى جافة، ومنذ السبعينيات من ذلك القرن، يبدو أن عدد فترات الجفاف وحدتها تنزع إلى تجاوز الفترات المطيرة، بل في بعض الأحيان امتد الجفاف لعدة سنوات مما أدى إلى ندرة المياه وتراجع الفرشات الباطنية ونضوب المنابع وتراجع منسوب الأودية، وهي كلها عناصر تنبئ بأزمات اقتصادية واجتماعية.
ويلعب عاملان آخران دورا أساسيا في نوعية المناخ :
وهودور الواجهتين البحريتين (خاصة الأطلسية) ثم الدور الحاسم الذي يلعبه تأثير الوسط الجبلي (خاصة في الأطلس المتوسط والكبير) وقد مكن هذان العاملان على وجه الخصوص من إبعاد الجفاف ودفع الصحراء نحو الجنوب والشرق أكثر. و هكذا لا يبدأ الجفاف الحاد في الواقع إلا عند جنوب الأطلس الكبير، ولو ظهرت جيوب ساخنة عند مستوى حوز مراكش على السفح الشمالي للسلسلة الأطلسية.
فطبيعة المناخات السائدة عموما تبقى مرتبطة بوضعية البلد بالنسبة للدينامكية الجوية و الدورة الهوائية الغربية المهيمنة عند هذه العروض. فالمغرب يخضع في نفس الوقت لكتل هوائية قطبية وأخرى مدارية خلال الفترة من شتنبر إلى ماي ، بينما الكتل الهوائية القطبية المتفاوتة في برودتها و رطوبتها تصل في فترات الاضطرابات الشتوية القادمة من الغرب أو الجنوب الغربي أو الشمال الغربي. آنذاك فإن درجات الحرارة المنخفضة يمكن أن تسجل نزوعا نحو الإفراط مع موجات للصقيع قصيرة الأمد. بالمقابل فإن موجات من الحر الصحراوي مع درجات تتجاوز ° 45 تصل أحيانا إلى المجال الساحلي، بارتباط مع الكتل الهوائية و الاضطرابات الصحراوية، مما يِؤدي إلى رياح الشركي.
و إجمالا فعلى المستوى الحراري يمكن التمييز بين نوعين مناخيين:
النوع الأول: مناخ رطب ساحلي مع أمداء حرارية ضعيفة، وتكون المعدلات الشتوية دافئة إلى معتدلة، بينما المعدلات الصيفية تكون أكثر ارتفاعا،على الرغم مما يوجد بينها من تفاوت(مثلا 19,9 ° في الصويرة جنوبا و 23 ° في طنجة) . و تتوغل المؤثرات البحرية ( نسيم البحر) إلى حدود 40 أو 50 كلم داخل البلد وهي المسؤولة عن تلطيف درجات الحرارة على الساحل.
النوع الثاني : مناخ قاري داخلي بارد شتاء، حار صيفا.إذ في متوسط يوليوز تتعدى فيه الحرارة 27°، بينما المعدلات القصوى النهارية تتراوح ما بين 38° و 40°. و تتراوح المعدلات الدنيا الصيفية في مجموعها ما بين 16 و20°. يخفف الطابع الجبلي من التناقضات.
على مستوى التساقطات يتسم المناخ بعدم الانتظام، فالفارق في المعدلات السنوية للأمطار يتراوح بين 15 و 25 % في الشمال الشرقي، وفي حالات قصوى بين 1 و2 % . و يتجلى عدم الانتظام أيضا بجانب التساقطات العامة التأخير في التساقطات الأولى، لذا فتركز وعنف التساقطات يمثل خاصية مناخية في هذا النوع.
و يصل معدل الأيام المطيرة 75 يوما في المناطق الرطبة خاصة في الريف ،لكن هدا العدد يتقلص كلما اتجهنا نحو المناطق الصحراوية.ويؤثر الدور الأساسي للتضاريس وكذا توجيهها على كمية الأمطار حسب الواجهات والسفوح.
الهيدوغرافيا والهيدرولوجيا
تتوزع الشبكة الهيدروغرافية انطلاقا من الخزان المائي المركزي الممثل في الأطلس الكبير والأطلس المتوسط بالأساس. وتساهم السلسلة الريفية في تغذية الأنهار المتجهة نحو سبو، فالأنهار المغربية عادة قصيرة، وتتعدى نادرا ما طوله 500 كلم.
وبعلاقة مع الشروط المناخية، فتركز التساقطات، وقوة التبخر، وكذا درجة الصبيب المنخفضة عادة كلها عوامل تفسر عدم انتظام الجريان حتى في المناطق الغزيرة الأمطار. فقوة التبخر تفسر العجز المرتفع والتفاوت الموجود بين المناطق الساحلية والداخلية.
ويمكن تصنيف الأنهار المغربية على الشكل التالي:
* أنهار دائمة الجريان، ينخفض منسوبها في فصل الصيف، مثل نهر أم الربيع، والذي يصل صبيبه إلى 34م 3 /ث.
* أنهار متوسطة الجريان، غير منتظمة، وهذا النموذج ينطبق على غالبية الأنهار الاتية من جبال الريف، و كذا أنهار المغرب الأطلسي
* مجاري مائية ذات جريان منقطع، ويتعلق الأمر بالأنهار المحلية في المناطق الجافة وشبه الجافة التي تحمل اسم "الواد".
أما أشكال التغذية النهرية، و تتسم بتنوع كبير: هناك مجاري مائية ذات تغذية جبلية ومنتظمة آتية من مناطق ذات ارتفاعات تزيد عن 1900م في الأطلس المتوسط وأكثر من 2500م في الأطلس الكبير، فالكتل الكلسية تمثل أفضل الشروط لتغذية الأنهار بشكل منتظم، وهي حالة الأطلس المتوسط والأطلس الكبير الأوسط في الجبال الريفية تدعم الطبيعة الغير المنفذة الأراضي خاصية عدم الانتظام المرتبطة كذلك بعنف الأمطار أما في المجالات الجافة فيفسر الطابع الفجائي للأمطار عنف الجريان وسرعته.
إجمالا، الجريان محدود لأنه لا يمثل سوى 14 % من المياه (حوالي 20مليار م 3 ) لكن هذا التقديم ينطلق من معدلات الصبيب النهري، والمعطيات الدنيا للجريان هي جد ضعيفة. بل منعدمة بالنسبة لعدة مناطق كالهضاب الأطلسية للجنوب والمناطق الصحراوية، فالمناطق الجبلية هي وحدها التي تضمن تغذية مائية في فترات الجفاف.
وعلاقة بموضوع الجريان القليل الانتظام، فالمغرب يحظى بموارد مائية جوفية تقدرها التقديرات المائية السنوية ب30 مليار م 3 ، منها 21 فعليا متحركة. على هذا المجموع، 16 مليار م 3 تأتي من الشبكة السطحية. ويحظى المغرب على هذا المستوى بمورد لا يقدر بثمن : الخزان المائي الأطلسي والأنهار المهمة كسبو وأم الربيع، وكذا مياه جوفية مهمة.
أما على مستوى جيولوجية المياه (موارد المياه الباطنية أو الجوفية) فالخصائص الهيدرولوجية مرتبطة مباشرة بالشروط المناخية ومعطيات الصخارة.
ففي المغرب، الطبيعة الجافة للمناخ حاضرة في كل مكان، وتعوض بتركز التساقطات في الزمن، فأهمية التبخر وعدم انتظام التساقطات عموما يفسران ندرة الماء حتى في المناطق الغزيرة التساقطات.
ويقدر نصيب المياه المتسربة ب 7،5 مليار م 3 كمتوسط سنوي. وهذه المياه هي التي تساهم في تغذية الفرشة الباطنية. لكن هناك مصادر أخرى جوفية ذات تجدد بطيء حيث يستنزفها الاستغلال المكثف تدريجيا.
و من بين الربع مليارات م 3 من المياه الجوفية السهلة التعبئة التي يتوفر عليها المغرب، فقد استعملت منها 3 مليار م 3 ، بينما مجموعة من الفرشات تعرف تناقصا واضحا بسبب الإفراط في الضخ. ونؤكد في جميع الحالات على الدور الحاسم للجبال الأطلسية كخزان أساسي لتغذية الفرشات الباطنية.
الغطاء النباتي
يتوفر المغرب، بسبب موقعه الجغرافي وتضاريسه، وتنوع ظروفه المناخية على غطاء نباتي وثروة حيوانية غنيتين وعلى تنوع مهم من التكوينات النباتية.
يمكن تصنيف الأغطية النباتية بالمغرب في نوعين أساسيين : التكوينات البيئية للبحر الأبيض المتوسط (التي تتوفر على الغابات الرطبة والغابات صلبة الأوراق، والتكوينات الشجرية ما قبل السهبية، والسهوب الأطلسية بالمرتفعات الجبلية الكبرى و التكوينات النباتية الصحراوية المكونة من سهوب النباتات التي تتحمل الجفاف و الملوحة، توجد بها بقع بأشجار صغيرة موزعة على امتدادات شاطئية.
من حيث الطبقات والتكوينات النباتية يمكن تمييز الأنواع الآتية :
* نباتات الطبقة المتوسطة السفلى: تمتد من آسفي إلى نواحي بوجدور إلى الداخل في سهول الحوز وسوس، وتتطور من مستوى سطح البحر إلى ارتفاعات من 700 إلى 800م، إن المناخات الاحيائية تتأثر بشكل قوي بالمحيط فتبرز تباينا حراريا طفيفا، وهي من نوع صحراوي جاف وشبه جاف. وتسود فيها التكوينات الشجرية مع وجود شجرة الأركان والفربيونات الصبارية والفربيونات.
* نباتات الطبقة المتوسطية الحارة: وهي الطبقة الأكثر انتشارا، فتمتد من مستوى البحر إلى ارتفاع 1000 أو 1600 م، وذلك حسب خطوط العرض وتموضع التضاريس.
المناخات الإحيائية المتنوعة التي تسود فيها هي من نوع رطب وشبه رطب وشبه جاف محليا، وبصفة استثنائية ذو رطوبة عابرة، ويتكون الغطاء النباتي خصوصا من الأحراش المتنوعة حسب ظروف الوسط من العصفية والعرعر الأحمر والزيتونيات والمصطكا والخروب والبلوط الأخضر والبلوط الفليني والصنوبر الحلبي.
* نباتات الطبقة المتوسطية الوسطى: طبقة في غالبتها غابوية، وتمتد ما بين ارتفاع 900 و 1400م في الريف. وما بين 1100و1500م في الأطلس المتوسط وما بين 1400 و 1800م في الأطلس الكبير والأطلس الصغير.والمناخات الإحيائية هي بالأحرى رطبة وشبه رطبة في المغرب الشمالي أو في الوسط الجبلي، وشبه جافة بل محليا شبه رطبة أو جافة في المغرب الجنوبي والشرقي... وهنا يكون البلوط الأخضر مع البلوط الفليني في الجزر الأكثر رطوبة. وبعيدا عن هذا المجال يسود العرعر الأحمر في التكوينات قبل السهبية أو السهبية.
* نباتات الطبقة المتوسطة العليا: هذه الطبقة تنحصر بين ارتفاع 1400 و1800 م في الريف وبين 1500 و 1900 في الأطلس المتوسط وبين 1800 و 2200م في الأطلس الكبير والأطلس الصغير إنها تشكل مجال المناخات الإحيائية ذات الرطوبة العابرة، والرطبة، وشبه الرطبة، وينمو فيها البلوط أحيانا مع بلوط الفلين أو مع البلوط النفضي تغزو الصنوبريات الحد الأعلى وصنوبر المغرب والصنوبر الأسود وأرز الأطلس والصنوبر البحري بينما تغطى الجهة الجنوبية بالأطلس الكبير بالعرعر الأحمر..
* نباتات الطبقة الجبلية: على ارتفاع ما بين 1800 و 2200 م في الريف و 1400 و 2300 م في الأطلس المتوسط، وبين 2200 و2600 م في الأطلس الكبير والصغير حيث تصبح البرودة هي الصفة المحددة. يحل الصنوبر والأرز محل المخشوشبات الأخرى في الريف والأطلس المتوسط والمنحدر الشمالي للأطلس الكبير بينما منحدرات الأطلس الصغير ومنحدرات جنوب الأطلس الكبير ذات مناخات إحيائية شبه جافة تغطيها تكوينات قبل سهبية من بلوط أخضر وعرعر الفواح.
* نباتات الطبقة المتوسطية الجبلية: تغطي قمم الأطلس المتوسط والكبير، وتكاد تنعدم بالريف والأطلس الصغير وتنقسم هذه الطبقة ذات البرودة القصوى إلى أفق سفلي يسود فيه العرعر العصفي على ارتفاع ما بين 2600 و 3000 م وأفق علوي سهبي مبقع بنباتات شوكية في شكل وسيدات عند ارتفاع ما فوق 3000م.



















